الأربعاء 26 سبتمبر 2018 12:07 ص القاهرة القاهرة 26.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

بمناسبة الوجبة المدرسية

نشر فى : الإثنين 27 مارس 2017 - 10:30 م | آخر تحديث : الإثنين 27 مارس 2017 - 10:30 م
طبيعى أن تبادر الحكومة بوقف توزيع الوجبة المدرسية بعد تسمم آلاف التلاميذ، وأن توجه الأجهزة المعنية بالكشف عن ما حدث وتحديد المسئول عنه. ولكن ما أخشاه أن نكتفى بتوجيه أصابع الاتهام إلى بعض العاملين فى تصنيع وتخزين الوجبات الفاسدة كى يستريح الرأى العام دون أن ننتهز الفرصة لإعادة تقييم هذا الموضوع المهم بأكمله.

ولأننى قضيت عدة أشهر فى دراسة الوجبة المدرسية وقت مشاركتى فى الحكومة منذ بضعة أعوام وبالتعاون مع خبرات مصرية متميزة فى هذا المجال، وعلى رأسها الدكتورة حبيبة واصف الخبيرة الدولية والعديد من الأساتذة فى مراكز البحوث التابعة لوزارات الصحة والزراعة والبحث العلمى، فاسمحوا لى بأن أشارككم بعض ما تعلمته آنذاك.

المقصود بالوجبة المدرسية ليس مجرد الشطيرة أو «البسكويتة» التى يجرى توزيعها على التلاميذ من وقت إلى آخر حسب الموارد المتوافرة من وزارة المالية والمنح الواردة من الجهات الدولية، بل يجب أن تكون وجبة متكاملة تتكون من عدة عناصر (شطيرة، وقطعة فاكهة، وبيضة أو قطعة جبن، وكيس لبن مثلا) وتحتوى على ما يحتاجه التلميذ لنموه الصحى. وفى الحالة المصرية فإن هذه الوجبة يجب أن تكون جافة، أى سابقة الإعداد والحفظ وليست طازجة ويجرى طهيها فى المدرسة، وذلك لعدم توافر المياه النظيفة اللازمة للطهى فى الكثير من القرى.

ولكى يكون برنامج الوجبة المدرسية مفيدا ومحققا لأهدافه، فيجب أن يضم كل تلاميذ المرحلة الابتدائية (نحو اثنى عشر مليونا)، وأن يتم توفيره لما لا يقل عن مائة وعشرين يوما فى السنة، وأن يتضمن الحد الأدنى من العناصر الغذائية وفقا للمعايير الدولية. عندئذ فقط فإنه يؤتى بنتائج إيجابية على صحة الأطفال، وعلى نموهم الجسدى والنفسى، وعلى قدرتهم على التركيز فى الفصول، وعلى تحقيق الحماية الاجتماعية للأسر الفقيرة. وبشكل أعم فإنه يحقق مكاسب هائلة فى إنتاجية المجتمع، ووفرا فى الإنفاق الصحى، ويساهم فى تشغيل مئات الآلاف فى إنتاج الوجبات وتوزيعها. باختصار فإن برنامجا قوميا للتغذية المدرسية هو إحدى الأدوات الأكثر فاعلية لتحقيق طفرة حقيقية فى العدالة الاجتماعية وفى منح الأطفال الفرصة لكسر دائرة الفقر المتوارثة عبر الأجيال.
ولكن تطبيق هذا البرنامج فى مصر تعرض لثلاث مشكلات:
الأولى: هى الاستمرار فى توزيع شطائر أو قطعة بسكويت فيها عناصر غذائية متنوعة بينما المطلوب هو التحول نحو الوجبة المتكاملة. وإذا كان هذا الأسلوب أسهل فى التطبيق ويتيح زيادة المستفيدين فى وقت وجيز إلا أنه لا يحقق الهدف الاجتماعى والتنموى المطلوب، وللأسف إنه حتى الجهات المختصة دوليا مثل برنامج الغذاء العالمى والجهات المانحة تفضل هذا المسار لأنه يمكنها من أن تبرز إنجازاتها العددية بسهولة دون اكتراث كافٍ بالنتيجة الفعلية.

أما المشكلة الثانية: فهى أن الحكومة المصرية لم توفر الموارد المالية الكافية والمستمرة لكى تصبح الوجبة المدرسية برنامجا قوميا أساسيا مثله مثل الضمانات والتأمينات ودعم الخبز، بل يتوقف الأمر كل عام على ما يمكن تدبيره فى الموازنة العامة وما تجود به الجهات المانحة الدولية. وهذا وضع لا يضمن للبرنامج الاستمرار والشمول الضروريين، ولا يجعله حقا مكتسبا للتلاميذ، بل عنصرا متغيرا وفقا لتقدير كل حكومة وأولوياتها فى الإنفاق. وأنا هنا لا أقلل من حجم الموارد المطلوبة، فقد كانت تكلفة هذا البرنامج تقدر منذ ثلاثة أعوام بنحو عشرة مليارات جنيه سنويا وأتصور أن تكون بأسعار اليوم أقرب إلى الخمسة عشر مليارا. ولكن مع ضخامة المبلغ فإنه لا يمثل إلا عبئا صغيرا عند مقارنته بالعائد الاقتصادى والاجتماعى المترتب عليه أو بما تنفقه الدولة بالفعل فى مشروعات ومنشآت أقل أهمية بكثير.

وأخيرا فإن المشكلة الثالثة: أن الدولة حينما قررت التوسع فى الوجبة المدرسية، ألقت بمسئوليته بالكامل على وزارة التضامن الاجتماعى ثم على جهاز الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة دون توفير الموارد الكافية ولا السياسة الشاملة التى تسمح بتطبيقه، بجانب أنهما ليستا الجهتين المعنيتين وحدهما. هذا موضوع شديد التعقيد ولا يمكن أن يقتصر على جهود وزارة واحدة، بل يلزم أن يكون عملا جماعيا تشارك فيه عشرات الجهات من الدولة والقطاعين الخاص والأهلى تحت مظلة حكومية واحدة، ويلزمه وضع الإطار المؤسسى الذى يحقق التناسق والتعاون الوثيق بينهم جميعا فى كل مراحل تصميم الوجبة وتصنيعها وتوزيعها وتخزينها وتقديمها للأطفال وقياس جودتها وسلامتها وأثرها الصحى والاجتماعى والاقتصادى والضوابط التى تحمى المستفيدين منها. وتقديرى أن السبب فى عدم اتباع هذا المنظور الشامل هو استمرار النظر إلى الموضوع باعتباره مجرد شكل إضافى من أشكال الدعم الغذائى للفقراء تشرف عليه وزارة التضامن الاجتماعى وحدها فى حدود الموازنة المقررة، وليس برنامجا قوميا يمكن أن يغير مستقبل ملايين الأطفال ويحدث طفرة فى الحماية الاجتماعية والنمو الاقتصادى.

ليس الحل حيال ما جرى أن نوقف توزيع الوجبة المدرسية، ولا أن نكتفى بتوزيع الشطائر التى لا تمنح التلاميذ الحماية الغذائية المطلوبة، ولا أن نلقى اللوم على وزارة التضامن الاجتماعى، ولا أن نحاسب بضعة موظفين لا حول لهم ولا قوة، ولا أن نقحم أجهزة القوات المسلحة فى موضوع فى أساس الإدارة المدنية للدولة، بل اتخاذ الإجراء المؤسسى الصحيح، وهو اعتبار التغذية المدرسية برنامجا قوميا قادرا على تغيير المجتمع المصرى ومنحه كل الموارد والإمكانات اللازمة والاهتمام المطلوب ووضع إطار جديد للتنسيق بين أجهزة الدولة ووزاراتها من أجل تنفيذه.

مع تمنياتى بكامل الشفاء للفتيات والفتيان ضحايا الوجبة المدرسية.

 

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.