الجمعة 15 ديسمبر 2017 7:58 م القاهرة القاهرة 19.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

«قتل غزال مقدس».. تراجيديا الموت والانتقام

نشر فى : الخميس 30 نوفمبر 2017 - 10:20 م | آخر تحديث : الخميس 30 نوفمبر 2017 - 10:20 م
يستلهم المخرج اليونانى يورجوس لانتيموس فى فيلمه «قتل غزال مقدس» (جائزة السيناريو مناصفة فى مهرجان 2017) أسطورة إفيجينيا التى دفعت ثمن خطأ أبيها أجاممنون فى حق الإلهة أرتيميس، فحكمت عليه الإلهة بأن يقتل ابنته، تكفيرا عن قتله لغزال مقدس فى الغابة، تحضر خطوط الأسطورة واضحة فى العنوان وفى الدراما، ولكن بعد نقلها إلى إطار معاصر تماما، يفعل لانتيموس ذلك بقسوة وبراعة، ليقول أشياء مهمة من خلال التراجيديا، عن القدر والحدود القصوى للانتقام، وعن حياة جديدة لا يمكن أن تبدأ إلا بعد موت، وبعد ألم ومعاناة، لا يعود الإنسان بعدهما أبدًا مثلما كان.

مثل أى بطل تراجيدى، يبدو طبيب القلب ستيفن (كولين فاريل) نبيلا بالأساس، لديه أسرة مثالية، زوجة وابنة مراهقة وصبى صغير، ويعمل فى مستشفى فخم وضخم، ولكنه يرتكب خطأ يغير حياته، تناول كأسين قبل إجراء عملية لرجل مريض، تسبب ذلك فى قتل الغزال المقدس بطريقة معاصرة، يبدو الرجل مقدسا فى نظر ابنه مارتن، الذى سيحمل حكما بالموت إلى ستيفن:

فإما أن يضحى بواحد من أفراد أسرته، أو يفقد الجميع بمرض غريب: شلل، فامتناع عن الطعام، فدماء تنفجر من العيون، ثم موت، لا نقض ولا إبرام، حكم قدرى انتقامى لا ينفع فيه اختطاف مارتن وتعذيبه، إنه يقدم هنا بصورة أسطورية مخيفة، يحمل الموت رغم مظهره البرىء، ورغم قدراته الاجتماعية التى تجذب إليه ابنة ستيفن، الانتقام ناعم ولكنه قاس وصارم، وما سيحدث للابن وللابنة يؤكد صحة نبوءة مارتن، سيعيش ستيفن نفس مأساة «أجاممنون» بضرورة التضحية بابن أو ابنة، فى الأسطورة الأصلية سيكون ثمن قتل إفجينيا هو أن ترسل الإلهة أرتيميس الرياح فتحرك سفن أجاممنون إلى حرب طروادة، يضحى الفرد لكى تنطلق الجماعة، وفى فيلمنا يكون ثمن قتل أحد أفراد الأسرة أن يعيش بقية أفرادها، يموت واحد لتبتعد اللعنة عن الجميع.

نقل الأسطورة إلى عصرنا منحها قوة هائلة؛ لأن البطل الطبيب الذى يفتح القلوب فى مشهد افتتاحى، يقف عاجزا عن فهم ما فى قلب مارتن، يعامل الطبيب مارتن كابنه، ويمنحه الهدايا، ولا يفطن إلى محاولة مارتن لتدمير حياته، بأن يقرب بينه وبين أمه، ستيفن يشعر أصلا من داخله بالذنب، يزيد من تأثير الأسطورة أن الطب المتقدم يقف عاجزا أمام هذا المرض الغريب الذى جاء به مارتن، ويزيد من تأثيرها أن الإنسان الذى قطع شوطا هائلا فى الحضارة والرفاهية والاستمتاع بالحياة ينقلب إلى كائن بدائى تماما فيما يتعلق بالثأر والانتقام، ستيفن نفسه سيقوم بالانتقام المضاد، سيخطف ستيفن ويعذبه بلا جدوى، والزوجة (نيكول كيدمان) ستفعل كل شىء لكى تفهم خطأ زوجها، ولكى تنقذ أسرتها، ولكن لا بد من اختيار إفجينيا جديدة، يزيد لانتيموس الأسطورة تأثيرا بأن يجعل قتل الأب لأحد أفراد أسرته عشوائيا على طريقة «الروليت»، قتلا عشوائيا غير مقصود، مثل خطأ قتل والد مارتن أثناء عملية جراحية.

هذا فيلم عن الموت والقدر، عن قوة قاهرة لا نراها تحدد مصيرنا، مهما اعتقدنا أننا نمتلكه، عن غرائز بدائية تعيش معنا فى داخلنا مهما تقدمنا، عن جدل لا ينتهى بين الموت والحياة، والسعادة والألم، الممرات الطويلة التى يسير فيها ستيفن تشعرنا بأنه فى نفق، ونظرة الكاميرا إليه من أعلى، وبعدسات واسعة تشعرنا بأنه وكل عالمه النظيف المغلق تحت سيطرة عين قاهرة ومسيطرة، تتقدم الكاميرا إليه ثم تتراجع بعيدا عنه فنشعر بالدوار من تقلب ظروف مأساته، المنزل الفخم الذى يعيش فيه يتناقض مع تراجيديا الموت، والابنة وهى تزحف على الأرض تذكرنا على نحو غامض بعالم بدائى وحيوانى، وقتل الطبيب لأحد أفراد أسرته بالمسدس صياغة صادمة لفكرة القربان البشرى القديمة، ولولا ذلك لما نجا بقية أفراد الأسرة، وهناك دوما أداء متفوق من أبطال المأساة كولين فاريل ونيكول كيدمان وبارى كيوجان فى دور مارتن.

ما يجعل التراجيديا الإغريقية معاصرة رغم قسوتها وبشاعتها الدموية هو تعاملها رمزيا مع أفكار كبرى مستمرة كالقدر والموت، كما أنها تحقق تطهيرا فى نفس المشاهد بإثارة الشفقة والخوف، نتعاطف مع ستيفن، ونسعد لأننا لسنا فى مكانه، ونفسر نظرات ونظرات أسرته الأخيرة لمارتن كيفما شئنا، ولكن من المؤكد أنها بداية للجميع، ونهاية للماضى ثمنها ألم وقربان بشرى، قد لا نعيش فى الواقع اختبار ستيفن حرفيا، ولكننا نعيشه رمزيا: ألا نختار أحيانا أن ندفع ثمنا باهظا لكى نكفر عن الخطأ؟ ألا تبدأ الحياة دوما من قلب الموت؟ وألا تبدو يد القدر أقوى من أيدينا مثلما كانت أقوى أيضا من أيدى ستيفن الجملية والمخطئة؟
التعليقات