الأحد 18 نوفمبر 2018 11:37 م القاهرة القاهرة 21°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

اللعبة انتهـت

نشر فى : الإثنين 30 ديسمبر 2013 - 8:45 ص | آخر تحديث : الإثنين 30 ديسمبر 2013 - 8:45 ص

لكل قرار سياسى جوهرى مقدماته وسياقاته وأثمانه، فلا قرار من مثل هذا النوع يصدر بلا مقدمات تفضى إليه وسياقات تحكم مساراته وأثمان تدفع فى مواجهاته.

باليقين فإن اعتبار جماعة الإخوان المسلمين «إرهابية وتنظيمها إرهابيا» هو واحد من أخطر القرارات السياسية فى التاريخ المصرى الحديث وآثاره ترسم خرائط المستقبل على نحو جديد، فالجماعة الأقدم والأكثر تنظيما تخرج بمقتضاه من المعادلات السياسية لأمد طويل، فلا مشاركتها فى الاستحقاقات الانتخابية متاحة ولا حضورها فى مؤسسات الدولة ممكنا.

اللعبة بالقواعد التى حكمتها انتهت وبدأت لعبة جديدة تستكشف قواعدها فى الحرب على الإرهاب.

فكرة «المصالحة السياسية» تقوضت إلى الأبد وباتت من أحاديث الماضى ومصير الجماعة بات بين قوسين كبيرين. السيناريوهات مفتوحة على مستقبل غامض، فالتصدع فى بنية الجماعة التنظيمية تحت ضغط التحولات الجديدة محتملا ونزوعها إلى التوسع فى العنف المنهجى احتمال آخر تستدعيه الحالة العصبية عند منتسبيها التى وصلت إلى انفصال عن الواقع وكراهية مع المجتمع.

من المرجح أن تخفت بالوقت قدرة الجماعة على مناهضة الدولة، فليس بوسع جماعة أيا كانت قدرتها التنظيمية وأعداد منتسبيها أن تصمد إلى ما لا نهاية فى مواجهة مفتوحة فى غياب ظهير شعبى يعطف ويؤيد.

شراسة تظاهراتها بما تنطوى عليه من عنف مسلح تفضى بطبيعة وقائعها إلى تكريس «صورة الإرهابى» فى المخيلة العامة على منتسبيها وتنفى عنهم صفتى «السلمية» و«الاعتدال».

كان القرار اضطراريا، فالمواجهات ما بين الدولة والجماعة اندفعت إلى نهاياتها والتصعيد وصل ذروته فى حادث تفجير مديرية أمن الدقهلية. جرى اتخاذ القرار تحت ضغط رأى عام قلق على مصيره ومستقبله وبلغ ضيقه من الجماعة وعنف تظاهراتها حد الضجر العام واتهام الحكومة بأن أياديها «مرتعشة».

منذ تحولات (٣٠) يونيو تجنبت السلطة الانتقالية حظر جماعة «الإخوان المسلمين» وتركت بابا مفتوحا للمصالحة السياسية تضمنتها وثائق أهمها «خريطة المستقبل» وشملتها اجتماعات تبنتها رئاسة الجمهورية ودخلت فيها مبادرات من اتجاهات متباينة أبرزها ما صدر عن الأزهر الشريف.

انطوى التوجه المعلن للمصالحة على فكرتين رئيسيتين: أولاهما خفض مستويات التوتر الداخلى من أن تستدعى سيناريوهات تفوق قدرة البلد على التحمل وتدخله فى متاهات تعرقل عودة استقراره وتعافى اقتصاده.. وثانيتهما خفض مستويات الضغوط الدولية من أن تفضى إلى سيناريوهات أخرى تفرض عزلة أو تؤدى إلى عجز فى بنية الدولة وقدرتها على الوفاء بمهامها الرئيسية.

لم تكن فكرة «المصالحة» ولا مبادراتها واقعية أو محتملة، فمن ناحية رهنتها السلطة الانتقالية بطلب الاعتراف بـ«خريطة المستقبل» وأن شرعية الرئيس السابق «محمد مرسى» قد انقضت وأن الشعب وحده هو من يمنح الشرعية ومن يسحبها ومن ناحية أخرى تصورت الجماعة أن الوقت يلعب لصالحها وأن بوسعها الضغط لإعادة «محمد مرسى» إلى مقعده الرئاسى، وهو رهان أدخلها فى صراع مفتوح مع مجتمعها أفلت عياره عن أى رشد سياسى واستحالت خياراتها إلى حالة انتحارية، إما أن تعود إلى السلطة أو أن تتصادم بلا حدود من أجلها، إما كل شيء أو لا شىء على الإطلاق.

تصورت أن بوسعها تحدى الدولة وتقويض مؤسساتها العسكرية والأمنية وراهنت على غطاء دولى وإقليمى وموارد مالية مفتوحة وقدرة تنظيمها على الحشد والتعبئة مدعوما من منظمات تكفيرية ومخازن سلاح تدفق على مصر عبر حدودها. انمحت الفواصل ما بين جماعة نفت لعقود أية صلة لها بالعنف والإرهاب وجماعات تكفيرية خرجت من رحمها السياسية.

تصادمت الإرادات والحقائق واصطفت المعسكرات خلف حساباتها وبدت مصر ميدانا مفتوحا لحرب من نوع جديد عنوانها الرئيسى: أن تكون هناك دولة أو لا تكون.

فى الرهانات السياسية من يكسب ومن يخسر بنهاية المطاف.. والجماعة تدفع بقرار اعتبارها «إرهابية» ثمنا باهظا لأخطاء وخطايا ارتكبتها قبل صعودها للسلطة وفى إدارتها للدولة وبعد أن خرجت من معادلاتها.. لم تكن مؤتمنة على الدولة وأمنها القومى أو أمينة على طلب الديمقراطية والتحول إليها.

القرار بتداعياته المحتملة أكبر نكبة سياسية نالت الجماعة فى تاريخها كله منذ تأسيسها عام (١٩٢٨). نكبة تتجاوز بما لا يقاس أية مواجهات عنيفة سابقة مع نظم حكم متوالية أعقبتها اعتقالات ومحاكمات وقرارات حظر.

كانت هناك معلومات متواترة منسوبة لقيادات سابقة فى الإخوان المسلمين خرجت من التنظيم على عهد الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» تؤكد أن هناك «ميليشيات» لديها أو أن «التنظيم الخاص» قد أعيد بناؤه، إلا أن تلك المعلومات لم تتأكد بصورة حاسمة وظلت فى دائرة التساؤلات عن حقيقتها. ما كان محلا للتساؤل تبدت إجابته فى التصرفات. أرهبت «المجلس العسكرى» السابق بسيناريو «حرق مصر» إن لم يلب ما تطلبه من مكاسب فى السلطة. كان التقدير السائد فى اجتماعاته أن أعدادها فى حدود الـ(٨٠٠) ألف منتسب وأنه لا قبل لأحد بمواجهتها. حاولت أن ترهب بالسيناريو ذاته تحولات (٣٠) يونيو من فوق منصة «رابعة العدوية»، فإما بقاء «مرسى» فى قصر «الاتحادية» وإما حرق مصر كلها. «محمد مرسى» هدد فى آخر خطاباته الرئاسية بـ«حرب أهلية» إن جرت إزاحته و«خيرت الشاطر» لوح أمام القيادة العسكرية بطلقات رصاص تدوى وعنف لا يمكن السيطرة عليه.. وذهب «محمد البلتاجى» بالتهديد والتلويح إلى الكشف عن صلات قوية تربط جماعته بالجماعات التكفيرية فى سيناء متعهدا بتوقف العنف فيها لحظة أن يعود «مرسى» إلى السلطة. الأخطر من ذلك كله أن الجماعة حاولت استدعاء سيناريو (٢٨) يناير باقتحام أقسام الشرطة بقوة السلاح يوم فض اعتصامى «رابعة العدوية» و«النهضة»، وكانت تلك مظاهرات سلاح مروعة تنفى عن التنظيم ما يدعيه من «سلمية».

فى اللحظة التى أطيح بها حكم «مرسى» بدأت حرب مفتوحة مع الإرهاب فى سيناء انكشف الغطاء السياسى عنها وبدا أنها كادت تنتزع من الجسد المصرى. الحرب قد تطول من عام إلى عامين. الدعم اللوجيستى والمالى فاق التوقعات وإمدادات السلاح تجاوزت الحسابات الأمنية ومستويات التجهيز والتدريب والتنفيذ باغتت سلطاتها.

بصورة ما جرى شبه تصفية للجماعات التكفيرية فى شمال سيناء غير أنها كانت قد تمركزت فى مثلث الإسماعيلية الصالحية بلبيس وفى مناطق أخرى بالدلتا خاصة فى المنصورة التى شهدت تفكيكا محدودا لخلايا مسلحة تنتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين مباشرة.

كانت حادثة «المنصورة» كاشفة للعبة كلها. من ناحية جنائية فإن تنظيم «أنصار بيت المقدس» أعلن مسئوليته عن الحادث الإرهابى المروع ويصعب نسبة التخطيط والتنفيذ للجماعة التى تفتقد إلى تقنياتها وخبراتها غير أنها من ناحية سياسية طرف رئيسى فيما جرى.

بحسب التعريف الكلاسيكى للإرهاب فإنه يعنى بالضبط «استخدام العنف والترويع لأسباب سياسية». جماعة الإخوان توعدت فى تصريحات وبيانات بـ«مفاجآت» قبل الاستحقاق الدستورى فى صناديق الاستفتاء وصعدت مواجهتها العنيفة فى تظاهرات طلابها لمنع الامتحانات الجامعية على ما جرى فى جامعة الأزهر وروعت مواطنين عاديين بعبوات ناسفة استهدفت حافلات عامة على ما جرى فى حى مدينة نصر. أدانت الجماعة إرهاب المنصورة فى بيانات رسمية واحتفت به على شبكات التواصل الاجتماعى.

فى الوقت نفسه توعدت الجماعة التكفيرية بـ«ذبح ضباط الجيش والأمن كالخراف فى بيوتهم إن مر الاستفتاء على الدستور بالموافقة» كما تبنت بصيغ أكثر تشددا مقولات جماعة الإخوان المسلمين فى استهداف الدولة وجيشها.

لم يكن ممكنا للدولة، أو أى دولة أخرى، أن تتقبل انخراطا فى الإرهاب وتوسعا فى عملياته دون أن تتخذ ما هو ضرورى لمواجهته وهو قرار له أثمانه، فقد يترتب عليه اتساع ما فى المواجهات، نتائجها محسومة لكن يتخلف عنها ضحايا. مصادرة المقار والأموال والجمعيات التى تنتسب إلى الجماعة مستوى أول يسهل بدرجة ما تنفيذه، أما مصادرة الحقوق المدنية لمنتسبى الجماعة فهو مستوى آخر أكثر تعقيدا يستدعى التبصر بالحقائق وعدم التعميم المخل بلا بينة على اتهامات بالتحريض على العنف والتوغل فيه.

قرار الحكومة الاضطرارى لا يعنى أنها مضطرة للتقدم فى الحرب على الإرهاب بعشوائية أو بلا خطة عمل تطل على المستقبل.

التحدى الرئيسى فى الحرب على الإرهاب تلخصه معادلة صعبة تعمل على التوفيق بين اعتبارى الأمن اللازم والحرية الضرورية.. وفى الإجابة على هذا التحدى تنفتح الطرق إلى المستقبل أو تتوه فى تضاريسها الأقدام والرؤى.