احتلت الشاشات جزءًا كبيرًا من حياة الصغار، ويقضي الأطفال والمراهقون أمامها متوسط من 4 إلى 8 ساعات يوميًا بشكل يتجاوز الحد الأقصى المسموح به، وفقًا لإحصاء أجرته مؤسسة كومون سينس ميديا عام 2026 حول استخدام الأطفال للوسائط الرقمية.
ولكن يتحول هذا الأمر لمصدر قلق عندما يرتبط بالتعرض المكثف منذ فترات الطفولة والبدايات الأولى والمبكرة لحياة الإنسان التي تحدد سلوكياته.
وبحسب ورقة بحثية حديثة منشورة في مجلة brain health، قدمها 3 باحثين هم ميشيل كينود، وخوليو ليسينيو، وكيم كيو دو، استعرضوا فيها مجموعة من الأبحاث والأفكار المتعلقة بكيفية تأثير تجارب الطفولة في نمو الدماغ وتشكيل القدرات والسلوكيات المستقبلية، حيث يرى الباحثون أن السنوات الأولى من حياة الإنسان تمثل فترة شديدة الأهمية في نمو الدماغ، وتتأثر قدراته خلالها بمجموعة واسعة من التجارب كالتفاعل الاجتماعي والحركة والخبرات الحسية واللغة والثقافة والبيئة المحيطة.
-مفهوم علمي جديد يسمي الكريتيكوم
وأطلق الباحثون على هذا الإطار المفاهيمي اسم الكريتيكوم "Criticome" لوصف الطريقة التي يمكن أن تتفاعل بها التجارب المختلفة خلال مراحل النمو مع تطور الدماغ والقدرات البشرية.
ويقوم هذا المفهوم الجديد على فكرة علمية معروفة هي أن الدماغ يمر خلال مراحل معينة من العمر بفترات يكون فيها أكثر مرونة وقابلية للتأثر بالخبرات، ويطلق عليها العلماء اسم الفترات الحرجة أو الحساسة، والتي يمكن للتجارب البيئية خلالها أن تؤثر في تطور بعض الدوائر العصبية بدرجة كبيرة.
لذلك اقترح العلماء مصطلح الكريتيكوم لوصف مجمل الخبرات التي يجري دمجها في الشبكات العصبية خلال هذه الفترات بداية من مرحلة ما قبل الولادة وحتى نحو سن 25 عامًا، مع التأكيد على أن سن 25 ليس موعدًا ثابتًا ينتهي عنده نمو الدماغ، وأن توقيت هذه الفترات يختلف بحسب الوظيفة الدماغية والفرد والظروف البيئية.
ويعني ذلك أن هذا المفهوم يتعامل مع الدماغ باعتباره جهازًا يتلقى المعلومات ويخزنها ويتعامل مع تجارب الطفل باعتبارها جزءًا من البيئة التي يتطور داخلها الجهاز العصبي.
كما يدخل في تشكيل الكريتيكوم مجموعة واسعة من المدخلات التي يعيشها الإنسان خلال مراحل نموه، والتي تشمل الخبرات الحسية التي تتعلق بكل ما يراه الطفل ويسمعه ويلمسه ويتذوقه ويشمه، إلى جانب المشاعر والسياقات المرتبطة بهذه الخبرات، وتشمل أيضا الخبرات الحركية التي تتمثل في الحركات والتفاعلات الجسدية مع البيئة المحيطة، والخبرات الاجتماعية كالعلاقات مع الوالدين والأشقاء والأصدقاء، وأنماط التعلق والتفاعل الاجتماعي.
بالإضافة إلى الخبرات الثقافية وما يتعلق باللغة والعادات والرموز والممارسات التي يتعلمها الطفل، وكذلك البيئة المحيطة التي تشمل البيئة المادية والطبيعية والاجتماعية والظروف الاقتصادية التي ينشأ فيها.
وهنا تظهر أهمية الشاشات التي أصبحت مصدرًا متواصلًا للصوت والصورة والمعلومات والتفاعل والمحتوى الاجتماعي لكثير من الأطفال، حيث تمنح الطفل في وقت واحد كمًا هائلًا من المثيرات البصرية والسمعية والمعلومات والتفاعلات الاجتماعية والبيئات الافتراضية.
-لماذا تضر الشاشات بالتطور الطبيعي للدماغ؟
بحسب سي إن إن، تعتمد أدمغة الأطفال في مرحلة النمو على التجارب الحسية والحركية والتفاعل الاجتماعي المباشر، كما أن التعامل المفرط مع الشاشات يسبب عدة مشكلات من بينها رفع مستوى التحفيز لدى الطفل بسبب السرعة والألوان، مما يجعل الأنشطة الواقعية تبدو مملة كاللعب مع الأصدقاء، أو الذهاب للشاطئ، أو ركوب الدراجات.
كذلك تؤدي الشاشات إلى ضمور المهارات غير المستخدمة، حيث تحتاج أجزاء الدماغ المسئولة عن اللغات والتواصل إلى ممارسة فعلية في الصغر، وبالتالي فإن تفويت هذه الفترات الحاسمة يجعل اكتساب هذه المهارات أكثر صعوبة لاحقًا.
-الطفولة مرحلة حاسمة في بناء الدماغ
وبالتالي تشير الورقة البحثية إلى ضرورة دراسة الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها البيئات الرقمية وتجارب الواقع الافتراضي خلال الفترات الحرجة في تكوين أنماط جديدة من الخبرات لدى الأطفال والمراهقين، خصوصًا في ظل التعرض غير المسبوق للخبرات التي تتوسطها الشاشات، حيث تكمن مشكلتها الأساسية في طبيعة الخبرة التي تقدمها للطفل، ومدة التعرض لها، وما الذي قد تحل محله في حياة الطفل.
لذلك يتوقف الخطر الناتج عن التعرض للشاشات وفقًا لطبيعة الخبرات التي يحصل عليها الطفل خلال الوقت الذي يقضيه أمامها، وكذلك الخبرات التي قد يفوتها في مقابل ذلك، فمثلًا الطفل الذي يقضي الوقت أمام الشاشة قد يكون في بعض الأحيان يتعلم لغة جديدة، أو يشاهد محتوى تعليميًا، أو يتواصل مع أشخاص، وفي أحيان أخرى قد يكون يتعرض لساعات طويلة من المحتوى السريع دون تفاعل أو نشاط آخر.
لذلك فإن تقليل وقت الشاشة لا يعني منع الطفل من استخدام الهاتف أو الجهاز اللوحي، وإنما تركز الورقة علي فكرة إتاحة مساحة أكبر أمامه لخبرات أخرى مثل اللعب والحركة والتفاعل الاجتماعي والقراءة والتجارب الحسية والتواصل المباشر، فالفترات التي يكون فيها الدماغ أكثر مرونة تمثل أيضًا فرصًا مهمة للتعلم والتطور.
-لماذا قد يكون تقليل وقت الشاشة مهمًا؟
وتوضح الورقة كذلك أن البيئات التعليمية الغنية يمكن أن تستفيد من هذه المرونة، وأن التجارب الإيجابية خلال مراحل النمو قد تدخل بعمق في تطور الشبكات العصبية، مشيرة إلي أهمية التعليم المبكر والبيئات متعددة الحواس والتفاعل الاجتماعي في دعم التعلم، وبالتالي الحرص على أن تكون البيئة التي ينمو فيها الطفل غنية ومتنوعة، وألا تستحوذ الشاشة على جزء أكبر من هذه البيئة.
كما تشير إلى أهمية إعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع التكنولوجيا في حياة الأطفال، لأن الطفولة فترة مهمة لنمو الدماغ، وينبغي النظر إلي الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة ضمن الصورة الأكبر التي توضح ما الذي يشاهده؟، وكم من الوقت يستخدم الجهاز؟، وماذا يفعل خلال بقية يومه؟، وهل يؤثر الاستخدام في نومه وحركته وتفاعله مع الآخرين؟.
ويمكن للوالدين البدء بإعادة توزيع الوقت من خلال تقليل وقت الشاشات مع تضمين حركة ولعب وتفاعل اجتماعي وتجارب واقعية أكثر بدلًا من الدخول في معركة يومية مع الطفل حول الهاتف أو الجهاز اللوحي.