الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 6:04 ص القاهرة القاهرة 25°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الحقيقة.. تُغتصب فى غيابها

نشر فى : الأربعاء 1 يوليو 2015 - 10:50 ص | آخر تحديث : الأربعاء 1 يوليو 2015 - 10:50 ص

الطفل يسأل والأهل يجيبون باقتضاب أو لا يجيبون.. الحجة الشائعة عند الأهل هى أن بعض الأسئلة مثيرة للحرج، أو أن عقل الطفل لن يستوعب الإجابة الصحيحة. سمعت من بين الآباء والأمهات من يقول إن ليس كل ما نعرفه يقال أو يلقن للأطفال، الطفل كائن بذهن ضعيف لا يقوى على الدخول فى علاقة مع «الحقيقة».

***

ألم نسمع هذه المقولة تصدر من أفواه أهل الحكم والبصيرة منذ بدء الخليقة. سمعنا ونسمع أن الشعب كائن بذهن ضعيف ولن يقوى على ممارسة علاقة مباشرة مع حقائق الحكم وأسراره. وسمعنا ونسمع كل يوم، إن «الحقيقة ليست ملكا لكل الناس، ولا يجب أن تكون أفتى من يفتى وهم كثر بأن الحقيقة تقع فى اختصاص فئتين من البشر، فئة الحكام وفئة الكهنة». هؤلاء أى الحكام والكهنة مقدسون وملهمون ومحصنون ومزودون بأدوات تسمح لهم بالتعامل مع الحقيقة، بل وتغييرها إن شاءوا. أما العامة فلا يملكون هذه الأدوات، ومصيرهم إن هم اقتربوا من الحقيقة بدون هذه الأدوات، الهلاك والدمار. ألم يكن هذا مصير الفلاسفة الذين جلبوا على أنفسهم الكره، كره الحكام وكره الكهنة، لأنهم استمروا يبحثون عن الحقيقة. مات بعضهم حرقا أو ماتوا على الخوازيق، أو قضوا فى المعتقلات. بعضهم عاش فى المنافى مبعدا عن أهله ووطنه ومصادر رزقه. أما من بقى سليما فلأنه أخفى علاقته بالحقيقة أو أنكر وجودها، وقبل خانعا أو راضيا الاقتناع بمبدأ أن الحقيقة لا تكون إلا عند القيصر وكبير الكهنة، ويدلنا التاريخ البعيد والقريب على أنهما كثيرا ما اجتمعا فى شخص واحد.

***

يتوقف سعى الطفل وراء الحقيقة عندما يقرر الأب أو الأم استخدام النهر أو حتى العنف لردع الطفل عن توجيه المزيد من الأسئلة، أو بالكذب عليه، أو بإلهائه بقطعة حلوى أو وعد لن يتحقق، ويتوقف سعى الشباب والكبار عندما تقرر السلطة الحاكمة، متحالفة مع بعض ممثلى الدين، ردع الشعب بمختلف فئاته وطبقاته عن التنقيب بحثا عن الحقيقة وعن توجيه أسئلة إلى من يزعم أن بيده وحده الحقيقة. فإذا لم يفلح الردع بالأساليب العادية وقع بالتجاهل أو بالكذب أو بالعنف.

مثال على ذلك، إغراق المواطن بمعلومات زائفة على أمل إخفاء معالم الطرق المؤدية إلى الحقيقة وإبقائه ضائعا فى متاهات الزيف، وإن لم يكن الزيف كافيا جاءوا بالخرافات والأوهام وأعمال السحر وشجعوا التجرؤ على تأليف قصص يزيفون بها التاريخ وروايات يشوهون بها سير كل الذين مازالوا يحلمون باستئناف مسيرة البحث عن الحقيقة. أليس منع التظاهر أداة من أدوات وقف سعى الناس وراء حقيقة؟

***

شعوب كثيرة صارت تتعرض لأساليب متنوعة فى حرب الحكومات دفاعا عن حقيقة تظن أنها تمتلكها. أحد تلك الأساليب نشر الجهل، وليس فقط تعميق التخلف وترويج الخرافة والأسطورة وتعظيم سير أقدمين لم يجد الباحثون عن الحقيقة، ما يؤكد صدقيتها. الجهل كما عرفنا خلال مراحل متأخرة من نضوجنا أنواع. هناك الجهل البسيط، وهناك الجهل المركب. يقوم الجهل البسيط أساسا على الرواية المتوارثة والإيمان بالمعتقدات البسيطة. أما الجهل المركب، فهو هذا الجهل الذى يسود ويطغى حين تتدخل مذاهب وأفكار من خارج المجتمع، بهدف تعقيد المعتقدات البسيطة. هكذا رأينا كيف يشوهون العقيدة البسيطة ليجعلوها» حقيقة «دينية أو تاريخية لا تمس». «حقيقة متخلقة يتحول معها العقل البسيط إلى عقل متطرف وعنيف، يسيطر عليه حاكم أو كاهن فى مكان بعيد أو قريب يحتكر الحقيقة ويوزع منها على من يشاء وبما يشاء».

تابعنا أيضا وبشغف عملية «غير متقنة» «لصنع جهل مركب قائم على نظرية المؤامرة. لقد اكتشف بعض الهواة من المشتركين فى الحرب ضد الحقيقة وضد الباحثين عنها أنه لا توجد وسيلة أسرع من ترويج نظرية المؤامرة لنشر الجهل المركب باعتباره شرطا ضروريا لمنع الناس من الاقتراب من الحقيقة». «المؤامرة زيف وكذب، ولكنها الوسيلة الناجعة إلى حين، لإخفاء جانب من الحقيقة، جانب العجز السياسى والإدارى فى مواجهة التقدم وحاجة الناس إلى التغيير».

****
لا يخفى أن نشر نصوص مذكرات الخارجية والاستخبارات السعودية، جعل بعضنا من المشتغلين بالتحليل وصنع الرأى يثق أكثر من أى وقت مضى بصدق حدسه.

المذكرات حقيقة لا زيف فيها ولا كذب. بمعنى أن كاتبها وصاحب التوقيع على ذيلها ومتخذ القرار فى شأن التوصيات الواردة فيها، كلهم من البشر الصادقين، وكلهم جعلوا من معلومات غير مؤكدة، موحى بها من أشخاص، أو أمكن التوصل إليها بالنميمة أو النقل الأمين، معلومات «حقيقية» موجودة بالفعل وبدون أدنى شك فى أذهان أصحاب المذكرات. الدليل على ذلك، أن كثيرا من توصياتها صار قرارات فخرجت منحا وإعانات إلى أفراد وجهات وفرضت عقوبات على أفراد وجهات أخرى.

لا يمكن إنكار سعادة الباحثين عن «الحقيقة» عندما بدأت تتدفق تسريبات الويكيليكس، ليس لأنها تمثل الحقيقة المطلقة، ولكن لأنها تمثل جانبا منها. أقصد جانب المعلومات التى يبنى عليها صانع القرار السعودى قراراته وتحالفاته وصداقاته وعداواته. بهذا المعنى فقط هى صادقة، حتى وإن كانت مصادرها سيئة النية والقصد.

كانت خطوة محمودة فى مسيرة البحث عن الحقيقة، وليتنا نحصل على المزيد من وثائق جميع حكومات الدول العربية، لنتعرف بالدقة الواجبة على حقيقة «نوايا الحكام العرب تجاه بعضهم البعض، وتجاه العالم الخارجى، وتجاه شعوبهم. أعرف الآن، وبقدر من الثقة بعد التدقيق فى صيغة كتابة المذكرات الرسمية فى دولة عربية وإسلامية مهمة، أننا كصانعى رأى وأدباء وفنانين وسياسيين جار تعريفنا حسب هوياتنا المذهبية والطائفية، هذا الكاتب مسيحى لبنانى، وهذا الأديب درزى سورى، وهذه الفنانة قبطية من مصر، وهذا المهندس شيعى عراقى. ليس عندى ما أعبر به عن مدى جزعى وخيبة أملى فى حصيلة قرن غنى بأفكار النهضة والتقدم التكنولوجى أكثر من أنه تطور مخيف فى اتجاه الانهيار المتسارع للأمة، وضربة أرجو أن لا تكون قاصمة لمستقبل التقدم والتحضر وأحلام الصبا الوردية».

حسب هذه الحقيقة «الحالى صنعها الآن وبحسب الوثائق المنشورة كدليل قوى، قد يأتى يوم لن تقرأ لكاتب أو صحفى ولن تستمع إلى مذيع أو ناشط أو مسئول، إلا إذا كان اسمه مذيلا بطائفته أو مذهبه، ويا حبذا لو أرفق بما يكتبه هو أو هى صورة تكشف عن صفات أخرى كالهويات الثانوية وما يرتدى أو ترتدى من ملابس. عندئذ، سوف يتوقف، لا قدر الله، سعينا وراء الحقيقة».

***

أقول لصديقاتى وأصدقائى الذين أسعدهم القدر بأطفال جدد، شجعوهم على إلقاء الأسئلة وحاولوا بكل إخلاص وشجاعة الإجابة عليها. لا تنسوا أن تستبعدوا على الفور من ذهن الطفل أى معلومة مزيفة تكون قد تسربت إليه من مذيع تليفزيونى لا يفهم أو خبير استراتيجى لا يقرأ أو كاهن متخصص فى تأليف وترويج المعلومات المزيفة والفتاوى.

***

فلنتذكر معا حكمة إغريقية تعتبر المعلومة المزيفة العدو الحقيقى للإنسان وليس الجهل أو الشك أو نقص الإيمان.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.