الأحد 30 أبريل 2017 3:08 م القاهرة القاهرة 32.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق إلى 2 جنيه؟

الغياب

نشر فى : الخميس 4 ديسمبر 2014 - 7:55 ص | آخر تحديث : الخميس 4 ديسمبر 2014 - 7:55 ص

«عودى يا ضحكتها، عودى» ـ هكذا غَرَّد مريد البرغوثى لرضوى عاشور فى ٢٠ مارس من العام الماضى، فى وقت من أوقات اشتداد المرض عليها. واليوم عادت تلك الضحكة تملأ فضاءاتنا ـ وغابت رضوى.

حُزن الشباب وجزعهم ينكس أعلام وسائل التواصل الاجتماعى، الصحف تنشر النعى ومقالات الرثاء والتأريخ، الخبر تتناقله وكالات الأنباء، والضحكة هى الضحكة فى كل الأمكنة: واسعة سخية بعرض الوجه، تسكب على متلقيها النور والبهجة.

لم أستطع اليوم الكتابة إلا عن رضوى. لكنى لا أستطيع، بعد، أن أكتب عنها.

صور رضوى وتميم ومريد وقوفا، الابن فى المنتصف، ذراعاه تحوطان كتفى أبيه وأمه على خلفية أشجار غرناطة؛ ثالوث حى مبتسم متفاعل. ثم صورة مريد وتميم وهما متربعان على الأرض، كفا تميم يحجبان وجهه، جبهة مريد على ذراعيه، وذراعاه على النعش الراقد.

حاولت، فى الأشهر الماضية، أن أواجه الغياب قبل أن يقع.

عقولنا تقبل ـ فى نفس اللحظة ـ الأفكار المتضادة وتتعايش معها. ننظر إلى وجه حبيب تمكن منه المرض: شحوب الجلد واضح، نوع من التساؤل يبطن كل الرسائل التى تطلقها العينان، بل تيار من التساؤل والدهشة يجرى تحت سطح التحادث. نتواصل. نتواصل فعلا. نتحدث عن المرض، والعلاج، والأعراض الجانبية، والمشاعر، والثورة والبلد والأحوال والأحباب. نتحادث بصدق، نقول الحقيقة ونستمع إليها. وبطول الحديث وإلى جانبه تظل فى الذهن فكرتان متزامنتان متلازمتان. فكرة: هذه مرحلة وستمُرّ، تكافحين بشجاعة وشجاعتك ستكافأ، ستعود حياة الأسرة إلى نسقها العادى وأنت مرتكزها، سينتهى العلاج، وينهزم المرض أو ينحسر إلى حين كما انحسر فى الماضى، ستزول الأعراض الجانبية، ستقومين نشيطة ونعود إلى المشى والعمل والكتابة والنقاش. وفكرة: هذه هى النهاية، أراها، أراها على وجهك وفى عينيك، ربما تكون هذه آخر مرة أراك فيها...

حاولت أن أركز فى فكرة النهاية. أن أستعد. حاولت هذا من قبل مع أمى. كنت أرقبها فى يوم وهى نائمة ونبهتُ نفسى - ربتْتُ على كتفى وقلت تعلمين أن اليوم آتٍ الذى ستقفين فيه هذه الوقفة نفسها وتنظرين إليها وسيكون الأمر قد انتهى ولن تستيقظ، ولن تجيبك. أبدا أبدا أبدا أبدا أبـ د ا

فماذا أنت فاعلة؟

ويبدو أن الإجابة الوحيدة الممكنة هى: لا شىء.

ذلك الخط الفاصل بين حالة الحياة وحالة انعدام الحياة خط أعصى من أن تتخطاه المشاعر أو المخيلة.

لا يمكن استحضار الألم مسبقا. لا يمكن التطعيم به والتحصن منه وإقامة المتاريس أمامه. ننظر إلى الوجه الحبيب النائم، أو الوجه الحبيب المتحدث إلينا، ونحس بالمشاعر المعتادة، ربما تزداد حدة لكنها المشاعر المعتادة: الحب، والقلق، والرغبة فى الطمأنة والاطمئنان، والرضا بالتواصل فى أى ظرف وأى حال.

ثم تأتى اللحظة. تباغت بالرغم من أننا فى انتظارها فتضرب فى القلب وفى الأحشاء.

صور رضوى تنطق بالحياة. الحياة تتفجر من ضحكتها الواسعة. هى تميل نحوك قليلا، تقبل عليك. عيناها تدعواك إلى الفرح. أول مرة أرى كلمة «تتقافز» كان فى كتابتها، ولما التقينا قلت لها يا رضوى الكلمة دى هى أنت، قالت آه، حاجة بتنط كده، ومثلت التقافز بيدها والضحكة على وجهها وفى عينيها ذلك التعبير الحبيب يحمل البهجة والاحتفاء بالبهجة والاندهاش منها والدعوة إليها فى آن واحد.

تحامَلَت وجاءت إلى عزاء أحمد سيف الإسلام فى جامع عمر مكرم فلم تقو على طلوع السلم. ساندها الشباب وأوصلوها، وكانت مشحونة بالمشاعر والمرض فاحتضنت علاء المخلى سبيله فقط لتلقى العزاء وقرَّبَت يده من فمها تقبلها فأمسك هو برأسها وتشبث بها. أعزيه اليوم عن رضوى فى سجنه وفى جوعه. العزاء اليوم لنا جميعا، لزوجها والحب الكبير فى حياتها، مريد البرغوثى، لابنها وتلميذها ووريثها وحبيبها، تميم، لأخيها وأسرتها، لحسناء، ومنى، وندى، وفاتن، وأمينة، وسامية وسالى ورضوى وريتو... لأصدقاء وصديقات العمر ورفقة المشوار، لتلاميذها الآلاف، ولقرائها الملايين، والشباب الذين أحبوها وتبنوها كما تبنتهم ولكل من اقترب طريقه منها فتماست روحه بروحها ويقتله فقدانها اليوم.

قبل تغريدة مريد بعشر سنوات، فى مارس ٢٠٠٣، كتب تميم عن رضوى:

وأمى حافظة السِيَر أصل السِيَر كارها تكتب بحبر الليالى تقوم تنوَّرْها وتقول يا حاجّة إذا ما فرحتى وحزنتى وفين ما كنتى أسجل ما أرى للناس تفضل رسايل غرام للى يقدّرها.

كرم رضوى مستمر، وسخاؤها لا ينقطع، وهذا الألم هو ضريبة المحبة وما جادت به علينا، والحمد لله، الحمد لله، الحمد لله على ما أعطى وما أخذ.

التعليقات