الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 11:51 م القاهرة القاهرة 25°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

العنصر الأخير نحو الطريق الرابع

نشر فى : الأحد 10 يناير 2016 - 10:40 م | آخر تحديث : الأحد 10 يناير 2016 - 10:43 م
تناولنا سالفا ثلاثة من العناصر التى نقترح أن يقوم عليها الرابع كمنهج يصلح اتباعه فى الدول النامية مقابل الطريق الثالث المطبق فى الدول المتقدمة، هى القاعدة الفكرية التى تحكمه والتى تمثلت فى صيغة اشتراكية ملائمة؛ وقاعدة النظام المتبع فى ضوء تحول العلاقات الدولية من تبادل تجارى ومالى إلى تشابك يحكمه تدويل للعملية الإنتاجية وبالتالى طغيان قوى السوق، فأجبرت الدول المتقدمة التى طبقت الطريق الثالث على أخذها فى الاعتبار؛ ومن ثم راعت ذلك فى التحول من إخضاع نظمها السياسى من سيادة الطبقة العاملة إلى المزج بين حرية قدرة الفرد وتقييده، وهو ما يدعو إلى توفير حرية للفرد فى إطار مجتمعى مترابط.

وإذا كنا قد دعونا إلى الخروج من نطاق النظرة الاقتصادية التى تصحح أوجه الإجحاف التى تترتب عليها بحقوق الطبقة العاملة باللجوء إلى عدالة اقتصادية يطلق عليها اسم العدالة الاجتماعية والأخذ بنظرة مجتمعية تشمل جميع الأنساق فإنه يكون من الضرورى أن نفصل ما يترتب على ذلك من تغيير فى النظام بكافة أبعاد المجتمع، بدءا مما يعنيه هذا من قياس المردود على أفراد المجتمع.
***
أما العنصر الأخير فهو جودة نوعية الحياة: يتجلى قصور المدخل الاقتصادى ليس فقط فى اقتصاره على الجانب الاقتصادى، بل على اهتمامه بالنشاط الإنتاجى، وهو ما زاد التأكيد عليه فى الطريق الثالث بالاستجابة لدعوة ريجان لما يعرف بجانب العرض فى الصيغة الأمريكية منه. فعلى الرغم من أن الهدف منه هو النهوض بمستويات معيشة المواطنين، أى السلع والخدمات التى تفى باحتياجاتهم كما تهفو إليها نفوسهم. أى جانب الطلب، فإن الأمر يترجم إلى ربحية المستثمرين بدعوى أنها تترجم استعداد المستهلكين لدفع ثمنها مهما ارتفع، وهو ما يعبر عنه مؤشر أسعار السوق إذا ما أطلقت حريتها. ومعنى ذلك أن المنتجات التى تتوجه إليها رؤوس الأموال هى التى تفى برغبات ذوى الدخول المرتفعة، لا الغالبية الكادحة ذات الدخول التى تعانى من انخفاض مستوياتها إلى ما يكاد يعجز عن تجاوز حد الكفاف. والتى يطلق عليها السلع الأجرية. مما يجبر الحكومة على دعمها من أموال تقتطعها من حصيلة الضرائب أو من معونات خارجية كأسلوب لتحقيق العدالة الاجتماعية وفق المفهوم الشائع، بينما هى عدالة اقتصادية كما ذكرنا. ولسنا فى حاجة إلى بيان أن الإنسان لا يكتفى بالحصول على المنتجات السلعية والخدمات التى تشكل مستوى معيشته الشخصى، بل يرنو إلى التمتع بمعيشة ترتاح إليها نفسه فى مجتمع يتصف بالتماسك، أى بإيكولوجية طبيعية وإنسانية. ولا يصح أن ندعو إلى منظور اجتماعى شامل ونظل نطبق نفس الأسلوب الذى تطبقه الرأسمالية والذى دعا إلى الاستعاضة باشتراكية عن الرأسمالية بأسلوب ينحصر اختلافه عنها فى تغيير الأدوار: إذ تقوم الدولة بدور الرأسماليين فى مجال الإنتاج، وبدور المستهلك فى مجال قرارات الاستهلاك، فتصبح نمطا مشوها لرأسمالية الدولة، وهو ما قضى فى النهاية على المعسكر الاشتراكى الذى طبق الفكر الماركسى اللينينى. بالمثل فإن اعتماد التخطيط فى الدول الاشتراكية على تخطيط إلزامى مبنى على إجراء مسوح لميزانية الأسرة وعلى دراسات التطور الذى تزايدت سرعته فى أنماط الإنتاج يضعف وازع الأفراد على الادخار ويدفعهم إلى استثمارات عقارية واللجوء إلى عمليات استيراد غير نظامية أو تهريب الأموال، وهو ما أدى إلى إضعاف نتائج الخطة الأولى فى مصر رغم القفزة الكبيرة التى حققتها. وما تلا ذلك من ظهور تجار الشنطة والتهريب من منطقة بورسعيد فى السبعينيات، ثم توظيف الأموال فى الثمانينيات.
***
ورغم تحول الفكر التنموى من الأسلوب الاقتصادى الاجتماعى إلى التنمية البشرية المستدامة، فإن الصبغة الاقتصادية المرتبطة بإشباع حاجات الفرد ظلت هى الغالبة. وأصبح من الضرورى الأخذ بأسلوب الأبعاد المجتمعية بمجملها ومراعاة الميول النفسية التى تشكل فى النهاية هياكل الإنتاج وتعزز مشاعر الانتماء، وتضعف دوافع الاغتراب خاصة للأفراد الذين يمتلكون مواهب وخبرات فى ظل تسارع الحراك عبر الحدود الذى أحدثته العولمة ومجتمع المعلومات. وفيما سبق كان الحديث يدور حول دولة الرفاهية التى تعمل فيها الدولة على توفير تكافؤ الفرص وتحقيق عدالة التوزيع ومسئولية الضمان الاجتماعى لرعاية المرضى والمعاقين والمتقاعدين، فقام الطريق الثالث بتحميل الأفراد مسئولية هذا الضمان، وهو عكس ما يهدف إليه الطريق الرابع الذى أضاف إلى ما يطلق عليه تحسين نوعية الحياة، وقد تعددت البحوث التى تضيف إلى مقومات التنمية البشرية أبعادا مجتمعية. ومعلوم أن مؤشر التنمية البشرية يراعى الآفات الثلاث: الفقر (يمثله القوة الشرائية لدخل الفرد) والجهل (بالتعليم) والمرض (بالرعاية الصحية). وقد سبق لى عرض هذه الأبعاد فى الدراسة التى أجريتها فى 1961 وأشرت إليها فى مقالى السابق، وأضفت إليها مؤشرا للتغذية التى تؤثر على الأبعاد الثلاثة السابقة. ومع تنامى التدهور فى البيئة الطبيعية ومشاكل التكدس السكانى وارتفاع توقع الحياة أُضيفَ عنصر الاستدامة البيئية ومراعاة العلاقة بين النوعين بالاهتمام بحقوق المرأة. والفوارق بين الأجيال مع مراعاة انعكاسات الشيخوخة على تركيبة القوى العاملة، وعلى الاحتياجات الصحية. كما أن التضخم المستمر الذى أحدثه سيطرة النقودية وعابرة القوميات، زاد من الاهتمام بالتنمية الاقتصادية وقدرة الدول النامية على امتلاك القدرة على ملاحقة التطور الاقتصادى العالمى. واجتمعت هذه الأمور مع الحاجة إلى تعزيز القدرة على اجتذاب البشر ورؤوس الاموال لتوجب تحسين نوعية الحياة، ليس فقط بتمكين الفرد من التمتع بالمنتجات المتطورة بفضل التطور التكنولوجى، بل وأيضا بتحسين الجوانب الأخرى لنوعية الحياة التى تصقل قدرات الابتكار والإبداع فتزيد من سرعة دوران عجلة التنمية.
وهنا تظهر مشكلة تحديد الجوانب الأخرى واختيار أنسب الأساليب لتحقيقها. فبينما امتلك البعد الاقتصادى ميزة إمكان القياس بوحدات مشتركة وهى النقود، فإن الأبعاد الأخرى لا يمكن قياسها لكونها تختلف باختلاف الأذواق. ولذلك يجرى اللجوء إلى تركيب مؤشرات مختلفة لكل من جوانبها، وتعود الظواهر الاقتصادية إلى الدخول من خلال تغيرات مستوى المعيشة وتكاليف امتلاك العقارات، سواء للمواطنين أو للمغتربين بما فى ذلك السياح. وقد تضمن المقياس الذى اعتمدته جريدة الإيكونوميست للتنبؤ بالتغيير المتوقع فى قيمته باعتبار أن هذا يهم المعنيين من المواطنين والأجانب، مستثمرين أو سياحا. واختارت، بالإضافة إلى الموقع الجغرافى الثابت بحكم انعكاسه على الأوضاع المعيشية، التنعم المادى والاستقرار الوظيفى مقاسا بمعدل البطالة، والصحة مقاسة بتوقع الحياة، والحرية السياسية، والحياة الأسرية، والاستقرار السياسى، والمساواة بين النوعين، والحياة الجماعية. ويتم تركيب هذه المؤشرات ببحوث لاستطلاع الرأى، وترجيحها بأوزان لحساب المقياس العام، الذى عرضته تنبؤ له فى 2005 لـ56 دولة. تصدرتها ايرلندا يليها سويسرا ولم تشمل مصر. ويظهر تأثير التحيز فى اختيار الجانب الذى تهتم به الجهة التى تتولى تركيبه من أن دراسة اجرتها جمعية بحثية عن منظور المغتربين لنوعية 64 دولة لعام 2015 ركزت على التمتع بأوقات الفراغ والشعور بالسعادة الشخصية وسهولة الانتقال والصحة والأمان والرفاهة، وجاءت سنغافورة وإكوادور والنمسا فى المقدمة، ولم تتضمن مصر. وأعدت جمعية أخرى مقياسا يضم القوة الشرائية للدخل، وارتفاع قيمة العقارات على الدخل (بأثر سلبي) وكذلك تكاليف المعيشة، ومؤشر للأمان، ومؤشر للرعاية الصحية، ومؤشر لفترة ازدحام الطرق، ومؤشر للطقس، وهو الآخر معنى بالجانب الدولى. وجاءت مصر فى الموقع 56 من 57 دولة تلتها فنزويلا (النفطية) الأخيرة بقيمة سلبية. وتصدرت سويسرا القائمة بينما تقدمت السعودية (6) على الولايات المتحدة (10). وأجرى باحث يعمل فى جوجل تنبؤا للعام 2016 بالمؤشرات السابقة وضع مصر فى الموقع 50 بين 56 دولة يليها روسيا، وكانت مصر الأسوأ فى التلوث.
وعلينا أن نعنى بإجراء دراسة تتفق ومتطلبات التنمية. وسنواصل عرض باقى العناصر لاحقا.

خبير فى التخطيط


محمد محمود الإمام وزير التخطيط الأسبق
التعليقات