الأربعاء 23 أغسطس 2017 11:21 م القاهرة القاهرة 30.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

الأسوار لم تكن عالية بما يكفي

نشر فى : الأربعاء 9 أبريل 2014 - 11:55 م | آخر تحديث : الخميس 10 أبريل 2014 - 12:31 ص

مشوار جنب الحيط

كم يبلغ عدد الحواجز الإسمنتية المتراصة على ضفتي شارع صفية زغلول لتمنع ركن السيارات وتبعد المواطنين عن أسوار المؤسسات الحكومية؟

في كل مرة أمر بالشارع، أفكر في عد الحواجز، لكني أسرح دائما فيما تعنيه تلك الكتل في علاقة أهل المنطقة بالمؤسسات التي تشاركهم في فراغ الشارع، تقيدهم وتقصيهم منه أيضا.

الشارع ضيق ولا يوحي بمظاهر السيادة التي تنضح منه، فهو محاط بالوزارات والمؤسسات الحكومية على ضفتيه، تتراص الكتل الإسمنتية بمحاذاة الأرصفة، حيث تتسابق كل مؤسسة لإبراز سيادتها والتأكيد على أنها لا تقل سيادة عن الأخرى، لدرجة أن إحدى الهيئات وضعت كتلتين أمام أرض فضاء تابعة لها.

ربما يكون سبب هذا هو الخوف من السيارات المفخخة؛ تلك السيارات الشريرة التي انفجرت أمام اثنين من أكثر الأماكن سيادية في القاهرة والمنصورة، رغم كل الأسوار والحواجز حولها.

تنتهي عظمة المشهد في ساعة خروج الموظفين: ولاعات صينية، أكياس خضار مجهز، معلبات اقتربت من نهاية الصلاحية، وأي شيء من الإبرة لكشافات الطوارئ.. كلها تفترش الكتل الإسمنتية وتغطيها تماما، ومعها وحولها الكثير من الباعة الجائلين والفلاحات والمتسولين بحججهم المختلفة، حيث تتحول حواجز السيادة إلى سوق كبير مغرٍ وفوضوي.

وأمام وزارة الإنتاج الحربي، المكان الأشد سيادة بين باقي المؤسسات في المنطقة، اعتاد شباب المنطقة استغلال المساحة في المساء للعب الكرة، وعلى الناحية الأخرى من الملعب هناك ضريح زعيم الأمة.

غني عن الذكر أن الدولة وهي في طريقها لاستعادة هيبتها قد منعت هؤلاء الشباب من اللعب، وتم إغلاق هذا القطاع من الشارع أمام السيارات لتأكيد الاستعادة.

وعلى بعد عدة مئات من الأمتار في اتجاه الشمال، تقع بوابات القصر العيني الفولاذية، والتي تصنع خطا فاصلا بين حي الدولة وعالم ميدان التحرير، حيث تتجلى أقسى مظاهر السيادة في نصب تذكاري قبيح وعديم المعنى. وناحية الشرق تتعدد الحواجز والجبال الإسمنتية حول قلعة السيادة ذاتها؛ وزارة الداخلية.

لكن تبقى السفارتان الأمريكية والبريطانية هما أكثر مكان يمكنك فيه قياس السيادة الحقيقية، بواسطة الأسوار والحواجز والجبال الإسمنتية عددا وحجما.

لتتعرف على حياة أهل المنطقة وسط الجدران الإسمنتية يمكنك مشاهدة الفيلم القصير "مشوار لحد الحيط" الذي أخرجها الكاتب والشاعر "عمر طاهر":

•••

وعبر أقواس النصر

في أيامه الأخيرة، ظن "محمد مرسي" أن تلك الأسوار القوسية القبيحة ستحميه من تطاول المتظاهرين على قصر الاتحادية، واعتبرها منتقدوه علامة على ضعفه وتعاليه. لم يعرف مرسي أن ذات الأسوار ستستمر لحماية رئيس مؤقت وآخر فعلي في الطريق إلى القصر.

هل وُضعت تلك الأسوار في عهد مرسي لحماية من يجيء بعده؟ أم أن الفكرة كانت عبقرية لدرجة لا يمكن مقاومتها؟ الحقيقة أنها كانت فعالة جدا، لدرجة اقتباسها لاحقا أمام وزارة الدفاع في شارع الخليفة المأمون، ومقر المخابرات الحربية في شارع الثورة.

أثناء فترة دراستي في جامعة عين شمس، كان من الممنوع "تقريبا" السير على رصيف الوزارة، أقول تقريبا لأن صرامة المنع كانت غير ثابتة. الآن، ورغم تضاعف درجة الصرامة والسيادة، أشاهد المارة وهم يسيرون بجوار الرصيف الذي احتلته الأسوار القوسية، لا يزال المنع غير صارم والعساكر يملون من هش المارة طوال النهار، لكن شخصا ما قام بإزالة جزء كبير من رصيف المارة في الجزيرة الوسطى، وبالتالي عاد الناس للسير بحذاء الوزارة، وتحت الأقواس العظيمة.

مقر المخابرات الحربية هو في الأساس قصر أثري تخفيه عن الأعين أسوار داخلية عالية، وتم الحفاظ على السور الخارجي الأثري، وللتضييق على المارة أضيف سور من القضبان المعدنية على حدود الرصيف نفسه، ثم تم اللجوء مؤخرا إلى الأسوار القوسية التي احتلت الرصيف بأكمله لكي يستأثر القصر بأقصى حدود السيادة.

منطقة شرق القاهرة كلها نشأت كباحة خلفية للثكنات العسكرية، بدأت من العباسية، ثم تمددت الثكنات مع العسكر الإنجليز ليرثها جيش يوليو حتى الآن. وهو وضع لا يزعج السكان في الغالب، فوجود الثكنات "ربما" يعني خدمات وتأمين أفضل، وتكون هناك دائما فرصة لمزيد من الاستثمار والتوسع العمراني عندما تقرر الوزارة بيع قطعة أرض هنا أو هناك.

المنطقة أيضا كانت جذابة لسكن الضباط وأسرهم. محمد نجيب، وهو أول رئيس مدني عسكري غير منتخب، كان يسكن في بيت عادي بالقرب ميدان حلمية الزيتون، وكان الضباط الأحرار أثناء زيارته قبل 23 يوليو يتظاهرون بأنهم في طريقهم للسهر في ملهى ليلي بالميدان.

حاليا، تحتل المنشآت التابعة لوزارة الدفاع معظم الجانب الشمالي من شارع ابن الحكم الذي يشق ميدان الحلمية، ليست كلها عسكرية الطابع، هناك ناد وحديقة ومركز ترفيهي فاخر، إضافة إلى مدينة زهراء الحلمية التي تم تأسيسها في البداية لسكن الضباط، ثم تسرب إليها المدنيون لاحقا. المدينة مجهزة بحدائق وملاعب داخلية، ولهذا كانت دوما هدفا لغزو أبناء المناطق المحيطة التي لا تتمتع بهذه الخدمات.

أبناء المدينة يعرفون بعضهم جيدا، ولهذا يصير الغريب فريسة سهلة لهم، مستندين لمراكز الآباء التي تعلو على الحساب، ولأن الشرطة والقانون مرهونان هنا بإرادة سادة المدينة.

ولقد أضيفت للمدينة بوابات معدنية مؤخرا، لكي تصير محرمة فعليا، وتستكمل استقلالها بصورة مادية واضحة أمام عامة المدنيين الذين حلموا بالتطاول عليها.

خريطة عامة من جوجل لشارع ابن الحكم:

•••

البطل الشعبي الذي شق أسوار السيادة

عشت منذ طفولتي بجوار خط القطار، فيما قبل مرحلة المترو كان القطار يقسم حينا إلى نصفين، شرقي وغربي، وعلى عكس طبيعة العالم، كان الجزء الغربي أقل تطورا ويعتمد على الزراعة والرعي، بينما الشرقي أكثر تواصلا مع العالم الواسع وتشبها به، ولهذا كان العبور اليومي ضروريا للجميع.

المزلقانات قليلة، ولهذا استعاض المارة عنها بفتح ثقوب كثيرة في سور خط القطار، وكأن هناك ثأرا بينهم وبين هذا السور. العقل الجمعي لدينا يرفض التخريب، لكنه أيضا يناور ويحتفي ضمنيا بالبطل الشعبي الذي يهدم أول حجر في جسم السور، تاركا فرجة تكفي ربما لعبور طفل صغير، ولاحقا يتكفل طوفان البشر العابرين بتوسعة الشق، ثم شرعنته كمعبر رسمي.

مع دخول المترو، اختفى الثأر بين الناس والسور، فالناس يخافون من الكهرباء أكثر من القطار ذاته، واختفى البطل الشعبي في ظروف غامضة.

مبنى محطة سراي القبة والاستراحة الملكية الملحقة بها، يحملان لوحات الفنية بارزة عن تنوع الحياة في مصر. تناقض الصورة مع الحال خارجها، حيث تعرضت باحتها الخارجية لغزو الباعة وصار الشارع أمامها موقفا للتاكسيات غير المرخصة. ينظر جيراني لهم بقرف واستحقار، والمظهر نفسه ليس أنيقا بأي حال، لكنه يعكس استعادة أهل المنطقة لفراغهم، وإعادة تنظيمه بما يوافق نشاطهم الاقتصادي الذي تعتبره الدولة غير رسمي لأنه بعيد عن سلطتها، لأنه لا يحترم أسوارها وسيادتها.

أفكر في ذلك البطل الشعبي القديم، عندما عاد هنا ووضع أول فرشة ولاعات صينية أو سجائر مهربة، فرجة ضيقة تكفي لمرور كائن ضئيل، ثم من بعده يأتي باقي الباعة، ليصبح أمرهم شرعيا رغم أنف الدولة.

صور لمحطة سراي القبة من الخارج، من مدونة "مستنقعات الفحم" للكاتب "ميشيل حنا":

على الضفة الأخرى من الشارع، انتقلت ملكية مقر الحزب الوطني إلى المجلس القومي لشؤون المعاقين. في الماضي كان محرما على أهل المنطقة ترك سياراتهم في محيط الحزب، بما فيها ساحة سيارات تابعة للحي، وذلك لأن رئيس ديوان رئاسة الجمهورية ربما يمر أثناء زيارته للمقر. حاليا استعاد أهل المنطقة حقهم التاريخي في ركن سياراتهم بالشارع والساحة، بينما كانت أولوية المجلس هي تعلية وتقوية أسواره واستقدام شركة أمن لحراسته، فيما يبدو تفاديا لمصير مبنى المجالس القومية المتخصصة، الذي لا تزال جثته المتفحمة رابضة على كورنيش النيل.

قسم شرطة الزيتون قام هو الآخر بتعلية أسواره. في الماضي السحيق كان هذا القسم سجنا عسكريا تابعا لقوات الاحتلال الإنجليزي، ثم تحول إلى قسم شرطة واحتفظ بشيء من جمال واجهته القديمة، بينما امتد بناؤه في الخلف بطريقة حكومية قبيحة ومعتادة، ورغم الواجهة ظل المكان مقبضا وكئيبا ككل الأقسام، حوله سور من القضبان المعدنية، وباحة أمامية جرت محاولات بائسة لتشجيرها لتخفيف وحشية المعنى.

فجأة، انقلب الأهالي خلال الثورة على القسم، ثم بعد شهور أعيد تجديده، وتم بناء أسوار حجرية للتحصن، ولاحقا تمت تعلية تلك الأسوار، وأضيفت لها متاريس من أكياس الرمال وفتحات لإطلاق النار، كما يتم منع مرور السيارات من أمامه ليلا، استولى القسم على أماكن ركن السيارات في الجهة المقابلة من الشارع والشوارع الجانبية المحيطة به، السكان صار عليهم ترك سياراتهم بعيدا واستئذان الجنود يوميا من أجل المرور.

هؤلاء هم أهل المنطقة، كانوا داعمين للقسم في معظم الأوقات، ثم انقلبوا عليه ثم عادت الشرطة للقلب من جديد، وهي حاليا تقوم بتسديد دينها لهم.

مجموعة صور للقسم بعد الهجوم عليه واحتراق أجزاء منه: