الأربعاء 13 ديسمبر 2017 11:38 ص القاهرة القاهرة 18.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

على هامش محاربة الفساد فى المنطقة العربية

نشر فى : السبت 11 نوفمبر 2017 - 9:45 م | آخر تحديث : السبت 11 نوفمبر 2017 - 9:45 م

فى منطقتنا العربية هناك الكثير من الأمور التى تبعث على السخرية، ولكنها السخرية المخلوطة بالألم والحسرة على أوضاعنا المتأخرة عن معظم دول وأنظمة العالم المعاصر للدرجة التى تشعر فيها بأنك تعيش قصة تنتمى للعصور الوسطى لا العصر الحديث.

لا توجد دولة عربية لا تدعى أنها تحارب الفساد، فالكل يعلن عبر رءوس أنظمته السياسية محاربة أو مكافحة الفساد وهو أمر محمود بالطبع، لكن ما أن تطالع أخبار المحاربة المزعومة حتى تبدأ علامات التعجب وأسئلة الاستفهام تتوالى حول الكثير من التفاصيل المريبة.

من حيث المبدأ، ففى المنطقة العربية وهنا أكاد لا أستثنى أحدا، نحن نقصر معنى الفساد على معنيين، فرجال السياسة والإعلام يركزون على الفساد المالى، بمعنى الرشوة والاختلاس والاستيلاء على المال العام، ورجال الدين يركزون على الفساد الأخلاقى بمعنى تردى مجموعة القيم الأخلاقية المقدسة التى تحكم مجتمعاتنا وتنتفض عروقهم وهم يدافعون عن مكارم الأخلاق رغم أن الغالبية العظمى منهم ما هم إلا مجموعة من الموظفين الغارقين فى معانى أخرى من الفساد وربما حتى فى نفس معنى الفساد الذين يركزون عليه محتمين فى نفوذهم المالى، السياسى، القبلى، الدينى أو خليط من كل ما سبق.
وحتى نعود إلى البديهيات، التى لا تحتاج بالمناسبة إلى متخصصين ولا إلى حملة شهادات الدكتوراه ولكنه بؤس الواقع الذى يضطرنا إلى التركيز على المبادئ والأسس، فلابد من التفرقة بين ثلاث مساحات متشابكة حينما نتحدث عن هذه المحاربة المزعومة للفساد. المساحة الأولى هى أنواع الفساد، والمساحة الثانية هى أدوات مكافحة الفساد، والمساحة الثالثة والأخيرة هى الهدف الحقيقى من مكافحة الفساد.

***

أما عن أنواع الفساد فأقله ضررا وتأثيرا هو الفساد الأخلاقى، ورغم أن حكامنا ورجال ديننا يبذلون الغالى والنفيس لإقناعنا بخطورة هدا الوحش المسمى «وهما» بالانهيار الأخلاقى والقيمى للمجتمع، إلا أن هذا آخر ما يجب أن نهتم به إذا جاز لنا أن نهتم به من الأساس! ورغم خطورة الفساد المالى لأنه يتعلق بالموارد العامة للمجتمع والدولة لكن لا يمكن تخيل وجود فساد مالى مستشرى دون وجود فساد إدارى والأخير لا يمكن له التنفس دون وجود فساد سياسى وهو بيت القصيد لأن الفساد السياسى هو آخر ما تهتم به مجتمعاتنا العربية هذا إن اهتمت به من الأساس!

الفساد السياسى هو الأولى لأنه بدون محاربته لا يمكن تصور وجود محاربة حقيقية لأى نوع آخر من الفساد. الفساد السياسى له صور وأشكال كثيرة، عدم وجود دستور هو نوع من أنوع الفساد السياسى، وجود دستور ليس أكثر من حبر على ورق هو شكل من أشكال الفساد السياسى، احتكار السلطة وتهميش المعارضة هو شكل من أشكال هذا الفساد أيضا، لو فتحنا القوس لن نتمكن من غلقه! خذ عندك، الاعتقال السياسى، منع حريات التنظيم والتجمع والتعبير السلمى عن الرأى، خلط السياسة بالدين وتحويل الأخير ورجاله وعلمائه إلى مجموعة من الخدم المطيعين، هيمنة السلطة التنفيذية أو الأمنية على سائر المؤسسات الأخرى بما فيها التشريعية والقضائية، تأميم الإعلام وتحويله إلى بوق موحد لا يتحدث إلا بما يجول فى خاطر الحاكم، وهلم جرا! إذا فسدت السياسة وأصبحت عصية على الإصلاح فسد كل شىء آخر، وبالتالى هذا التصور التافه الذى يروج له البعض بأن إصلاح الأخلاق سيقود إلى إصلاح السياسة أو الاقتصاد، أو أنه لو أخلص المواطنون فى أعمالهم فستنصلح أحوال الأمة إلى آخره من العبارات السجعية المستهكلة، ما هو إلا محض أوهام تامة، العكس هو الصحيح، إن صلحت السياسة أو كانت على الأقل قابلة للإصلاح فيمكن وقتها فقط أن نتحدث عن إصلاح الاقتصاد والمجتمع والأخلاق..إلخ.

***
المساحة الثانية ترتبط بأدوات مكافحة الفساد وهو فى منطقتنا العربية، وباستثناءات معدودة معظمها فى الدول العربية التى بدأت محاولة حقيقية للتحول والإصلاح السياسى. يظل مجرد مبادرة شخصية تحسب لصاحبها ولا تحسب لأى مؤسسة. محاربة الفساد يجب أن تكون مؤسسية، وهنا لا أعنى فقط أن تقوم بها مؤسسة بذاتها، ولكن أعنى أن يكون فعل عام ومجرد وبسند من القانون والدستور لينطبق على الجميع لا على مجرد الضعفاء أو من انتهت صلاحيتهم من الأقوياء. هذه المكافحة المؤسسية للفساد مهمة، لأنها تعنى الشفافية والمسئولية فى نفس الوقت، أما عن الشفافية فهى تتعلق بالمعلومات المتاحة للعامة عن وقائع أى حالة فساد يتم التحقيق فيها أو توقيف المتهمين بسببها، أما عن المسئولية فهى تتعلق بإمكانية استغلال هذه الأداة المؤسسية لمحاربة أى حالة فساد أخرى دون وجود خطوط حمراء أو أشخاص فوق المحاسبة وهو ما نفتقده بشدة فى المنطقة العربية حيث إن أى شخص فوق مستوى الشبهات لطالما أنه فى السلطة، ويبقى فقط معرضا للمساءلة إذا فقد هذه السلطة أو أصبح من المغضوب عليهم!

***

أما المساحة الثالثة والأخيرة فهى متعلقة بالأهداف الحقيقية لمحاربة الفساد، وهى نتيجة طبيعية لكل ما سبق، فإذا ما بدأنا بمحاربة الفساد السياسى وجعلنا هذه المحاربة مؤسسية، شفافة، ومسئولة، فإن الهدف من محاربة الفساد سيظل الصالح العام وهو الأمر المرجو بالطبع، أما غياب الإصلاح السياسى والتمسك بمحاربة الفاسدين ماليا أو أخلاقيا وبمبادرات شخصية لا مؤسسية وبدون معلومات محددة ومحاسبة يقرها الدستور والقانون فإننا لايجب أبدا أن يساورنا الشك فى أن الهدف منها هو الصراع على السلطة وما يتضمنه ذلك من تصفية الحسابات السياسية والتخلص من المنافسين المحتملين على السلطة،
وهذا لا يعنى بالطبع أن هؤلاء المنافسين ضحايا فقد يكونوا بالطبع متورطين بشكل أو بآخر فى قضايا فساد بالفعل، ولكن يعنى ذلك ببساطة ووضوح أنه تم اختيارهم بشكل انتقائى مقصود لدفع أثمان لا علاقة لها بالصالح العام ولكنها مرتبطة بالسطة والنفوذ والصراع عليهما.

هذا الكلام ينطبق على معظم الأنظمة العربية التى أعرفها من المحيط إلى الخليج، وما لم تنتبه أنظمة العصور الوسطى هذه إلى أن الإصلاح السياسى بما فيه التحول السلطوى، فضلا عن الديموقراطى بالطبع، ليس مجرد رفاهية غربية ولكنه ضرورة قومية ومجتمعية، وما لم يتم تحديث أشكال التنظيم والتعبئة السياسية القائمة حاليا والتحول من الارتكاز على المؤسسات الدينية والسلطة الأخلاقية والسياسات القبلية والمعادلات الزبائنية التى ترهن حاجات الناس الاقتصادية بتنازلهم عن حرياتهم السياسية والمجتمعية وتربط حصولهم على الموارد بدفع ولاء سياسى مطلق، فهذه الأنظمة مصيرها إلى زوال ولكنه للأسف لن يكون الزوال المرتبط باستبدال ديموقراطى ولكنه الزوال الذى سيؤدى إلى المزيد من الفوضى المحكمة التى لن يفلت منها أحد سواء أكان مؤيدا أو معارضا!

أحمد عبدربه مدرس علوم السياسية بجامعة القاهرة