لا أعرف الدكتور علاء عبدالعزيز وزير الثقافة، ولا أعرف ما الذى صنعه قبل ذلك، والأكيد أن ذلك لا يمكننى من الحكم عليه، لكن الذى قاله وفعله منذ اختياره لهذا المنصب يكشف عدم حصافته، وعدم وعيه بطبيعة المنصب ومهام الوظيفة.
لكن فى واقع الأمر إن الرجل غير مسئول عن ذلك، ولا يجب أن يلومه أحد، لكن اللوم كل اللوم على الذى اختاره لهذا المنصب، ومنحه فرصة لإشعال الحياة الثقافية على الشاكلة التى نتابعها الآن، واللوم كل اللوم على من يحاول أن يقف بجانبه الآن، فيزيد الموقف اشتعالا وبغضا للرجل، ولا يحاول أحد أن يساعده مساعدة حقيقية للخروج من المأزق الذى وقعت فيه الدولة، باختياره للقيام بهذه المهمة.
بداية، الثقافة المصرية أكبر بكثير من أن يعرقلها علاء عبدالعزيز أو غيره، وهى ثقافة راسخة قوية شكلها عظماء، وثقافة عصرية نابضة بالواقع وناهضة بمجتمعها، ولا أدل على ذلك من أن الثقافة المصرية، قاومت عصر مبارك وما حدث فيه، بما تملكه من أدوات حقيقية وواعية بدورها ومهمتها فى تنوير هذا المجتمع.
وأعتقد أنها قاومت فى كل العصور وهى التى انتصرت على كافة محاولات وأدها أو تدجينها، وليس معنى أن يذهب مثقف أو اثنان إلى حظيرة السلطة المستبدة القمعية، أن الثقافة تم تدجينها، بل على العكس تماما، فإن الحاصل يكشف عن أن التيار العام شديد الإخلاص لمهمته، محافظ على دوره وواجبه تجاه مجتمعه، وعلينا مراجعة محاولات الرئيس الراحل أنور السادات فى هذا المجال وكيف كانت النتيجة فى نهاية الأمر.
والأهم فى قصة الثقافة، أنها لا تنمو أبدا فى أحضان السلطة، ولا تترعرع فى أرض السلطان، بل هى تزدهر وتتألق فى مواجهته، وبكشف زيفه، وبتهديد عرشه، وكان عبدالناصر وعصره يخافون من قصيدة ويرتعبون من رواية ويرتعدون من مشهد سينمائى، ربما لأنهم كانوا يفهمون قيمة الثقافة وحجم تأثيرها، والدور الذى يمكن أن تلعبه فى تغيير الواقع وتثوير الأمة وتنوير عقلها.
وإذا فتشنا فى سنوات مبارك الثلاثين سنجد ببساطة شديدة أن الثقافة انطلقت وتألقت بعيدا عن مؤسسات الدولة الرسمية، وإنجازات نجيب محفوظ ويوسف شاهين على سبيل المثال لم يكن للدولة أية مساهمة فى تحقيقها، بل كانت الدولة دوما تقف فى وجه محاولات إنجاز أعمالهم، وما ينسحب على محفوظ وشاهين، ينسحب على كافة الإنجازات الأخرى التى تحققت، فلا الدولة نشرت أو ساهمت أو دعمت إبداعات بهاء طاهر، ولا هى التى قدمت علاء الأسوانى.
والدولة أيضا لم تنتج لعاطف الطيب أو لمحمد خان، بل حاربتهم طويلا، ويكفى أن دولة مبارك لم تمنح خان الجنسية المصرية، برغم نشأته وحياته وعمره وإخلاصه لمصر، ويكفى أن عيون خان كانت أصدق عيون عشقت مصر وأحبتها فصورتها كما لم يصورها أحد من قبل.
بصراحة، ما يحدث أكبر وأهم من وزير الثقافة الحالى، فكم شهدت مصر من وزراء ثقافة، يرحلون كالعادة فى صمت ويبقى المثقفون وتبقى الثقافة.. يبقى أحمد شوقى ونجيب محفوظ وطه حسين والعقاد ويوسف إدريس.. يبقى يوسف شاهين وصلاح أبوسيف وكمال الشيخ وفطين عبدالوهاب.، ويبقى عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم ومحمد فوزى.. يبقى ناجى ومحمود سعيد والجزار وحامد ندا.