الثلاثاء 22 أغسطس 2017 6:55 م القاهرة القاهرة 34.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

عن أسرى فلسطين وأسرى مصر

نشر فى : الأربعاء 16 مايو 2012 - 8:05 ص | آخر تحديث : الأربعاء 16 مايو 2012 - 8:05 ص

ونعود من غزة لندخل فى الحال إلى المشهد المصرى

 

مصر لا تمهلك.. تقذفك فى كل لحظة بحكايات لا تكاد تبدأ فى تأمل واحدة حتى تلحقها أخرى

 

فى العريش أخذنا استراحة قصيرة للغداء. وقفنا ننتظر الساندويتشات وكان على الحائط إلى جوارنا ملصق الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل. قال الشاب الذى يعمل بهمة على ساندويتشاتنا: «كداب!» سألته من سينتخب، قال لن ينتخب لأن ليس له حق الانتخاب. أهله نزحوا من البلد فى ٤٨، وهو مولود فى رفح مصر. عنده ٢٤ سنة وهذا المطعم له. أخوه الكبير خطب بنت عمه فى رفح فلسطين. لزوم الخطوبة عبَر خمسة من أفراد الأسرة من رفح مصر إلى رفح فلسطين. والعادى أن الكل يمر طوال الوقت خلال الأنفاق (هناك تسعيرات مختلفة بناء على الهوية والغرض من الزيارة ــ مثل تسعيرات زيارة الهرم، مثلا). لكنهم، هذه المرة، فى هذه المناسبة الرسمية، كان عليهم أن يعبروا من المعبر الرسمى. كانت الإجراءات متعذرة، ووصلوا فى الآخر إلى «الراس الكبيرة»، وكانت «رسوم» رحلة الكيلومترين هذه ستة آلاف دولار. لن ينتخب لأنه لا يحق له الانتخاب، فهو لاجئ، وإن كان «لاجئا بفلوسه» كما يقول؛ يحمل وثيقة سفر لاجئ فلسطينى ــ وثيقة لا تعترف بها أى دولة فى العالم إلا مصر. يقول إنهم، حين ينتهون من إعطاء الجنسية لأبناء الأمهات المصريات، سوف يبدأون فى إعطائها للمولودين على أرض مصر. وقتها، يقول، سيتكلم، وسينتخب، وسيتظاهر ويُحبس مثل باقى الشباب!

 

لسه وقتها نتوقع أن يُحبس الشباب؟

 

ندخل إلى القاهرة. تبهرك، تأخذك، تستحوذ عليك بحجمها وثقلها وكم الحياة التى تدب فيها. لا أعلم كيف أنك تشعر بالمدينة كلها وأنت ــ بالضرورة ــ تقف فى حيز محدود منها؛ حيز محدود جدا. لكنك تعلم، تعلم وأنت داخل على طريق المطار، أو على شارع الهرم، أو أى مدخل من مداخلها ــ أنك داخل على مدينة استثنائية، على عاصمة كبرى، شوارع وكبارى وأنوار وإعلانات وناس ــ تلتقيها وكأنك تلتقى أقرب الناس لك: تستشف مزاجها، تعرف إن كانت محبطة أو منتشية، متأهبة أو متوجسة. وتجد مزاجك يتلون بمزاجها.

 

الآن أشعر بالقاهرة غاضبة؛ تمسك أعصابها بالعافية، وتنتظر. من كل مرتفع تطل علينا الإعلانات الضخمة، المكلفة، لبعض مرشحى الرئاسة، وعلى مستوى العين الملصقات الأكثر تواضعا للبعض الآخر. فى الطريق يلمس رجل على موتوسيكل مرآة سيارة نص نقل. ينزل صاحب النص نقل ويقف فى وسط الشارع يزعق. الآخر لا يكاد يصدق: لمس المرآة فقط. لم يكسرها. ذهب وعدلها. الناس تبتسم ــ لكن صاحب السيارة مخنوق ويبحث عن عاركة.

 

السيدة التى تساعدنى فى البيت ــ نحن معا من عمر أصغر أبنائى، أى من ٢٢ سنة ــ ابنها الأصغر، محمود، الابن الذى ظل معها ونفع فى المدارس، نادى عليه صديق ليفرجه الـ«حتة» اللى عنده. وقف الصديق يتباهى ويصنفر السلاح ويلمعه، ثم ضربه ضربة خفيفة بالشاكوش فانطلق منه الخرطوش وشال نصف يد محمود اليمين، ورشم جنبه ورجله بالبلى. الصديق هرب وطفشان الآن من بيته ومحمود فى المستشفى، أجروا له عملية مش مظبوطة والآن يحاولون إصلاحها، أبوالولد الطفشان يستلف من الكل ليدفع مصاريف المستشفى، وأم محمود تدور على إدارات التعليم لتأجيل امتحانات ابنها والحفاظ على الأمل الصغير الذى كانت تحلم به للمستقبل. ترفع صوتها وتطالبنى بأن نشوف صرفة فى البلد، فـ«الحاجات دى كترت قوى وكل اللى عنده حتة والا أى سلاح واقف قدام بيته بيلمعه».

 

وفى مؤتمر «لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين» مساء الأحد استمعنا إلى الدكتورة آية تصف كيف ضربها العسكر فى العباسية وكيف كانوا يزدادون حنقا ويضاعفون الضرب إذا علموا أن من فى يدهم طبيبة أو طبيبا، واستمعنا إلى السيدة هاجر تحكى كيف صوب عليها الجندى وأصابها وهما الاثنان فى داخل الجامع، تحكى كيف حاولت الاحتماء بالجدار وكيف تذكرت فى تلك اللحظة محمد الدرة، الطفل الفلسطينى، الذى قتلوه وهو يحتمى بأبيه، تحكى كيف استغربت كم الغل الذى يتعامل به الجنود مع الشباب، غل شخصى بالرغم من عدم وجود معرفة شخصية، تحكى كيف كدسوهم فى سيارات الترحيلات وهم مصابون وتركوهم بالساعات وتحكى عن الصراخ الآتى من الشباب الذين عرّوهم وكيف استمرت تسمع ذلك الصراخ بعد أن دخلوا س ٢٨. تقول: «هذا الصراخ ممكن يكون مستمرا الآن ونحن نتكلم؛ هذا الصراخ فى رقبتنا كلنا». نحو عشرين شابا يدلون بشهاداتهم. الواحد تلو الآخر: الضرب، التوعد، الإهانة، الإيذاء.

 

من أكثر الأمور إيلاما أن يتم اصطياد الإنسان عن طريق خصلة نبيلة فيه؛ أن يقابَل النبل بالحطة والسمو بالدناءة. من الذين نتعامل معهم الآن؟ نزل شباب السلفية لمناصرة مرشحهم، شيخهم الذى خدعهم. وقرر بقية الشباب ـ بعد نقاشات طويلة ـ أنهم، رغم اختلافهم الجذرى معهم، لا يصح أن يتركوهم وحدهم، فنزلوا لهم. وحين بدأ مشهد البلطجة قررت القوى السياسية الانضمام ــ ثم انسحبت ولم نعد نسمع لها صوتا. ونزل بقية الشباب ــ مثل السيدة هاجر ــ حين سمعوا بالدم. نزلوا للمساعدة. من يستدرج شبابنا؟ من يريد بهم سوءا؟

 

فى غزة، الأربعاء الماضى، كنا نجرح أصابعنا ونوقع بالدم على مطالب أسرانا عند الصهاينة؛ أسرانا المضربين عن الطعام مطالبة بأن يعاملهم العدو على أنهم أسرى حرب. وأمس جاء نبأ رضوخ العدو للمطالب، وإنهاء الإضراب ــ ولعبت مصر دورا محوريا فى التفاوض. واليوم جاء بيان معتقلى أحداث ٤ مايو فى العباسية، شبابنا:

 

«نحن معتقلو أحداث العباسية «٤ مايو ٢٠١٢»، وقد أخِذنا غدرا من قبل ميليشيات المجلس العسكرى من داخل مسجد النور ومحيطه وتم تعذيبنا وانتهاك آدميتنا، نؤكد على الآتى:

 

(١) اننا أبناء مصر الأوفياء لثورتنا المجيدة والحريصين على اتباع الطرق القانونية والقنوات الشرعية لإيصال صوتنا الى: منظمات المجتمع المدنى والمنظمات الحقوقية، رجال مصر ونساؤها الشرفاء من الأعلام وأصحاب الفكر والرأى وأصحاب الضمائر الحية، وسائل الإعلام الشريفة والمستقلة والملتزمة بالميثاق المهنى، الائتلافات الثورية والأحزاب والتيارات السياسية، أعضاء مجلسى الشعب والشورى والنقابات المهنية ومؤسسة الأزهر الشريف، عمال مصر وطلابها وكل شريف من شعبها.

 

(٢) إننا لن نكون جزءا من المحاكمات السياسية، حيث إن معظم من قبض عليهم لا ينتمون لأى تيار أو حزب ولا يعنيهم سوى نصر الثورة وتحقيق أهدافها.

 

(٣) إن البين من سير التحقيقات التى تجريها النيابة العسكرية، وباستقراء الحالات الشبيهة، فإننا نتوجس من أن يبتلعنا النسيان ونستخدم كورقة ضغط لتصفية حسابات بين المجلس العسكرى وبعض القوى السياسية.

 

لذلك قد اتخذنا قرارا نحن معتقلى أحداث العباسية (٤ مايو ٢٠١٢) وهو بدء إضراب مفتوح عن الطعام وذلك اعتبارا من ٢٠ مايو حتى تحقيق مطالبنا، وهى:

 

(١) الإفراج الفورى عن جميع المعتقلين دون قيد أو شرط، و(٢) التأكيد على الغاء المحاكم العسكرية والتقاضى أمام القاضى الطبيعى».

 

انظر: www.nomiltrials.com/2012/05/4 -2012.html

 

فمن الذى يتفاوض بين العسكر والشباب؟ أين القوى المدنية التى تمنع محاكمة المدنيين عسكريا؟ السيدة هاجر قدمت شهادتها لمجلس الشعب: مجلسنا التشريعى المنتخب. أين هذا المجلس؟ أين ممثلونا وشبابنا يعذب فى السجون؟

 

مصر وفلسطين وفلسطين ومصر. غزة والقاهرة والقاهرة وغزة. الشباب والسلطة والعسكر والاحتلال. فى البلدين نحن نراهن على الشباب.

 

السيدة هاجر قالت كلمة أريد أن أضع تحتها مائة خط: قالت إنها تُسأل كثيرا إن كان قد تم إجراء كشوف عذرية فى مايو، وتقول إنه فى حدود علمها لم يتم، وتقول إن هذا يرجع تماما لسميرة إبراهيم وللموقف الشجاع والمتفجر بالكرامة الذى وقفته والذى كسرت به الأعراف والتقاليد، فخرجت إلى فضاء أرحب، وأمّنت من جاء بعدها من المتظاهرات. فلا تستهينوا بأهمية قرار الفرد وفعله؛ ثورتنا الآن تنمو وتتقدم بالملايين من القرارات والمبادرات التى تبدو فردية وصغيرة لكنها تصب فى الفعل الجمعى الهادر ـ مثل تلك الملايين من القرارات الفردية التى اتخذها الناس بدءا من ٢٥ يناير.

 

شبابنا ثروتنا وشبابنا مستقبلنا وشبابنا يتهددونه فى مصر وفى فلسطين. ساندوه، فى كل لحظة، وبكل الطرق ــ المشروعة طبعا!

 

القاهرة غاضبة؛ تمسك أعصابها بالعافية، وتنتظر. بالأمس تفجرت معركة كبيرة فى الشارع تحت بيتنا، وقذف الناس بعضهم بالزهريات من عند بائع الورد فتحطمت حول الجالسين فى الكافيهات. لكن المدينة / البلد ستمسك أعصابها حتى انتخاب الرئيس. ويا للحظة الفارقة إن انتخبنا رئيسا يخاطبنا فى الشارع رأسا برأس ــ وليس من عل. 

التعليقات