الخميس 21 يونيو 2018 6:40 ص القاهرة القاهرة 27.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الإعلان عن أسعار الكهرباء الجديدة.. كيف تراها؟

منظمات حقوق الإنسان.. ما بين الدور المفترض والواقع

نشر فى : الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 - 8:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 - 8:35 م

وسط الجدل الحاصل فى الساحة حول منظمات المجتمع المدنى، وحصارها ومحاولة خنقها من قبل الحكومة، لابد من ذكر دور هذه المنظمات فى التصدى لما يتعرض له المواطنون من اعتداء صارخ على حقوقهم فى شتى المجالات. فقد قامت هذه المنظمات بدور مهم فى مساندة ضحايا هذه الانتهاكات على المستوى القانونى أو فى كشف هذه الانتهاكات محليا ودوليا، كما عملت بعض المنظمات على تقديم أوراق عمل لبدائل للسياسات الحالية للنظام.
ولا ينكر أحد الدور المهم للعديد من منظمات المجتمع المدنى فى خوض مجال التقاضى الاستراتيجى مع أطراف من أصحاب المصلحة ( بدأ الدعوى حمدى الفخرانى، ترافع عنه المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وعدد من المحامين المستقلين) والحصول على أحكام مهمة اضطرت الحكومة، على سبيل المثال، لتغيير التعاقد على أراضى «مدينتى» و«بالم هيلز» مع من حصل على هذه الأراضى من المستثمرين بأسعار بخسة، وفى بعض الأحيان مجانا.
وفى الوقت الذى بدأ مطلب الحد الأدنى للأجور ينتشر بين العاملين بأجر، كان للحكم الذى حصل عليه المحامى الحقوقى خالد على بإلزام الحكومة بوضع حد أدنى للأجور، دور مهم فى جعل الحد الأدنى للأجور أحد مطالب الثورة. وإن كان المطلب لم يتحقق إلى الآن إلا جزئيا، وفى قطاع واحد هو قطاع العاملين بالحكومة. وبتوسع التقاضى الاستراتيجى فى القضايا العمالية، وبمساعدة بعض المراكز الحقوقية والمحامين المستقلين استطاع العمال الحصول على أحكام نهائية وباتة بعودة شركات القطاع العام التى بيعت بالفساد فى إطار برنامج الخصخصة.
وقد كان هذا الاتجاه بدأ يصعد وسط كل العمال الذين بيعت شركاتهم وسُرحوا بنظام المعاش المبكر، وأهدرت حقوق من تبقى منهم فى العمل، حتى اضطر النظام فى عهد عدلى منصور لإصدار القانون 32 لسنة 2014 ــ بالمخالفة للدستور ــ بقصر حق الطعن على طرفى التعاقد فقط، وذلك لإيقاف هذا التيار الجارف.
ومع الاعتراف بأنه بعد أزمة منظمات المجتمع المدنى الأخيرة، والتى أدت إلى إغلاق الكثير منها، وعدم قدرة المستمر منها فى العمل على تقديم خدمات قانونية سواء للعمال أو غيرهم ممن يتعرضون للاعتداء على حقوقهم فى جميع المجالات، خاصة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فقد ضحايا النظام السياسى سندا مهما كان متمثلا فى مراكز حقوق الإنسان. ففى السابق عندما كان يتعرض عامل للاعتداء على حق من حقوقه، كنا ندله على أحد هذه المراكز الحقوقية التى تعمل فى مجال العمال، أما الآن فنشعر بالعجز لأننا لا نعرف بماذا نجاوب العمال السائلين: «عاوزين محامى»!!.
مع ذلك، كان لهذا الدور المهم لمنظمات المجتمع المدنى فى مساعدة العمال، وجه آخر ساهم ــ إلى جانب عوامل أخرى كثيرة ــ فى إرباك الحركة العمالية وتعطيل تطورها التنظيمى، فى أكثر مراحلها خصوبة وحيوية منذ عقود طويلة.
***
ولمعرفة الوجه الآخر الذى ساهم فى إرباك الحركة، دعونا أولا نلقِ نظرة على بعض أدوار المجتمع المدنى وبعض آلياته. فمن المعروف أن أهم وظائف المجتمع المدنى هى إرساء ثقافة وقيم العمل التطوعى والجماعى، والقيام بدور فى تفعيل مشاركة الناس فى تقرير مصائرهم، وجذبهم إلى المشاركة فى وضع السياسات العامة وتنفيذها، وذلك للمساهمة فى تحقيق التحولات الكبرى فى مجتمعاتهم حتى لا تترك حكرا للنخب الحاكمة. ولسياسة العمل الجماعى والتشبيك ما بين منظمات المجتمع المدنى دور مهم فى تقويتها، ويساعدها على التأثير فى السياسات العامة. وذلك على عكس أن تعمل كل منها وحدها فى جزيرة منعزلة عن الآخرين، فيكون تأثير كل منها ضعيفا لا يلبى حتى الأهداف التى تضعها كل منها لنفسها، ولا يحقق التغيير المنشود فى المجتمع ككل. كما أن التنافس بين منظمات المجتمع المدنى يؤثر سلبا على خلق كوادر قيادية فى المجتمع ترغب فى العمل الجماعى وتؤمن بأهدافه، وتعمل على تحقيقها. كما يقلل التنافس أو يحد من الأعمال والخيارات والموارد.
فلو أن هذه المنظمات كانت قد تفاعلت مع العمال لكى يستطيعوا أن ينظموا أنفسهم بعيدا عن أى سيطرة من الحكومة بكل أجهزتها أو الأحزاب أو حتى هذه المنظمات نفسها، ربما ساهم ذلك فى نجاح محاولة البناء الثانية للتنظيمات النقابية المستقلة. وأرى أنه كان من المفيد ألا تتعامل هذه المنظمات مع العمال كونهم فى درجة أدنى من هذه المنظمات والعاملين بها، ينتظرون التوعية منهم، ولا يستطيعون قيادة حركتهم والتعبير عنها، وكأن العمال قُصر لا يستطيعون العمل والحركة إلا تحت وصايتهم أو وصاية غيرهم.
لو كانت هذه المنظمات مع القوى السياسية عملت معا كظهير للحركة العمالية الصاعدة وتعاونت معها لاستطاع العمال الصمود فى وجه الدولة وأجهزتها خاصة فى فترة الفوران الثورى لانتزاع حقها فى التنظيم، ولاستطاعت الحركة العمالية فرض حد أدنى حقيقى للأجور لكل العاملين بأجر. لو وقفت كل هذه القوى فى ظهر العمال لاستطاعوا إنجاح تجربتهم فى الإدارة الذاتية لمصانعهم المغلقة، ولاستطاعوا تنفيذ الأحكام التى حصلوا عليها بعودة شركاتهم للقطاع العام. كل ذلك كان كفيلا بنقل الحركة العمالية من حركة مفتتة ذات مطالب فئوية إلى بداية الطريق لحركة منظمة تتبنى مطالب وسياسات أكثر عمومية تؤهلها لنقلة نوعية من وضعية الحركة إلى وضعية الطبقة. كما كان ذلك كفيلا بإجبار النظام الحاكم على تغيير سياساته.
***
ليس معنى هذا أننى أحمل هذه المنظمات وحدها مسئولية ما آل إليه وضع الحركة العمالية، بل كان لمحاولات النظام الحاكم فى عرقلة وإفساد كل محاولات التنظيم السياسية والنقابية وغيرها بعد الثورة بشتى الطرق ــ وهو ما يحتاج لمساحة أكبر لشرحه ليس هذا مكانها ــ أثر كبير فى ذلك. كما كانت هناك مشكلات سواء فى الحركة الاحتجاجية أو الحركة التنظيمية الوليدة بشكل أكبر، نتجت من الفراغ النقابى فى القواعد لأكثر من 50 سنة، وهو ما جعل القيادات النقابية الجديدة المنقطعة الصلة بالتراث النقابى وبالعمل العام، والمفتتة مطلوبا منها اختيار قيادات لاتحادات لا يعرفون عنها شيئا ولم يتم اختبارهم فى معارك حقيقية، وهو ما أدى إلى التكوين المبكر للبيروقراطية النقابية الفاسدة. كان ضمن هؤلاء المطرودين من الاتحاد الحكومى، وعناصر موالية للأجهزة الحكومية، التى عملت على أن تتبوأ معظم هذه القيادات فى مراحل الأفول قيادة الاتحادات مع استبعاد العناصر المناضلة.
فقد كان للمزايا التى تتمتع بها قيادات الاتحادات النوعية والعامة والتى تمثلت فى اعتبارهم قيادات للحركة، تتكالب عليهم وسائل الإعلام، كذلك السفر للخارج على نفقة الاتحادات والمنظمات الدولية أو على نفقة الدولة لتمثيل العمال فى المؤتمرات الدولية حافز آخر جعل هذه القيادات الانتهازية تتشبث بمواقعها القيادية فى الاتحادات، ممتنعة عن عقد جمعيات عمومية قد تطيح بها، وكان ذلك بمساعدة واعتراف من أجهزة الدولة المختلفة.
بهذا الشكل كانت حركة بناء القيادات الانتهازية المرتبطة بالأجهزة الحكومية أسرع كثيرا من بناء وتمكين قيادات نقابية مناضلة تعمل لانتزاع حقوق العمال، خصوصا مع عملية الفصل الممنهج للقيادات المناضلة من عملها، وبالتالى فصلها عن قواعدها.
من المعروف أن أهم وظائف المجتمع المدنى هى إرساء ثقافة وقيم العمل التطوعى والجماعى، والقيام بدور فى تفعيل مشاركة الناس فى تقرير مصائرهم، وجذبهم إلى المشاركة فى وضع السياسات العامة وتنفيذها، وذلك للمساهمة فى تحقيق التحولات الكبرى فى مجتمعاتهم حتى لا تترك حكرا للنخب الحاكمة.

فاطمة رمضان باحثة في الشئون العمالية ومدير برنامج المشاركة السياسية للنساء والشباب في مؤسسة قضايا المرأة المصرية
التعليقات