الإثنين 10 ديسمبر 2018 11:06 م القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

حقوق النساء فى العمل بين مطرقة القوانين وسندان التطبيق فى الواقع

نشر فى : الخميس 21 يوليه 2016 - 9:10 م | آخر تحديث : الخميس 21 يوليه 2016 - 9:10 م
بنظرة سريعة لما هو معروض على مجلس النواب من مسودات لقوانين العمل ربما قال قائل إن حقوق النساء مصانة فى هذه القوانين، خصوصا أن وزير القوى العاملة السابق ــ والذى أجرى آخر تعديل على مسودة قانون العمل الخاص البديل للقانون 12 لسنة 2003، وقدمه للبرلمان ــ كان يتغنى بأن المسودة قد انتصرت لحقوق النساء فى اجازة الوضع ثلاث مرات كل مرة ثلاثة أشهر ــ وذلك أسوة بقانون الطفل ــ بعد أن كانت مرتين فقط فى قانون العمل الحالى. كما تباهى الوزير بأن مسودة القانون حوت لأول مرة تعريفًا لجريمة التحرش ووضعت لها عقوبة.

ولكن بنظرة مدققة لهذه المسودات فيما يخص حقوق النساء، نجد أن هناك عوارًا وتعديًا على حقوق النساء فى العمل سواء فى قانون العمل الخاص بعمال قطاع الأعمال العام والقطاع الخاص، أو فى مسودة القانون البديل لقانون الخدمة المدنية. كما أنه فى الواقع العملى يزداد هذا التعدى ليصل لعدم تنفيذ ما جاء فى هذه القوانين أو حتى الدستور.

ففى مسودة قانون العمل البديل للقانون 12 لسنة 2003، نجد أن ما يخص النساء ورد فى الفصل الثانى من الباب الثانى من المسودة تحت مسمى تشغيل النساء وأتت هذه الحقوق فى المواد من 53 إلى 56، ونجد به عددًا من المميزات مثل زيادة عدد مرات إجازة الوضع كما سبق أن ذكرنا، وإن كان هناك تمييز ما بين النساء العاملات فى القطاع الخاص والقطاع الحكومى، حيث إن المرأة العاملة لدى الحكومة نص قانون الخدمة المدنية على حقها فى اجازة وضع ثلاث مرات، لمدة أربعة أشهر فى كل مرة.

ومن المميزات فى المسودة أيضا أنها نصت على حق المرأة فى ساعة الرضاعة، كما حظرت المسودة فصل العاملة أثناء اجازة الوضع. وهى النصوص التى نرى أمامنا بشكل يومى أن أصحاب الأعمال خصوصا فى القطاع الخاص يضربون بها عرض الحائط كون أن العقوبات عليها غير رادعة.

استمر نص القانون على إلزام المنشآت التى يعمل بها 100 عاملة فأكثر بالحضانة لأبناء العاملات، وهو منظور يحمل المرأة كل الأعباء بداية من رعاية الزوج والأطفال، حتى الذهاب بالطفل للحضانة هو مسئولية المرأة وحدها، فى حين أن القانون إذا نص على شرط 100 عامل وعاملة سيصعب على أصحاب الأعمال التهرب منه التنفيذ. كما أنه من الممكن فى هذه الحالة أن يصطحب العامل أطفاله معه فى حضانة عمله ويعود بهم فيخفف من الأعباء على المرأة.

وفيما يخص إدراج تعريف التحرش فى المسودة، وجدنا أن عقوبة التحرش فى مجال العمل فى المسودة لا تشمل عقوبة الحبس الموجودة فى قانون العقوبات (والتى لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات)، كما أن العقوبة المالية فى مسودة قانون العمل عشر الغرامة المادية الموجودة فى قانون العقوبات.

هذا ومن المشكلات الكبرى فى المسودة أنها استمرت فى استبعاد عمال الخدمة المنزلية، والبالغ عددهم 148 ألف شخص، ضمنهم 96.5 ألف من النساء، من أن يسرى عليهم القانون لكى يظلوا تحت رحمة أصحاب عملهم بلا أى حقوق.
هذا ولم ينص القانون على أى مواد تحظر على أصحاب الأعمال النص على عدم تشغيل النساء، لتظل النساء وفى القلب منها النساء الفقيرات لا يجدن أمامهن سوى العمل فى سوق العمالة غير الرسمية والتى تزيد على ثلثى المشتغلين فى مصر، عمالة بلا أى حقوق تتعرض لكل أشكال العنف والتحرش بلا أى حماية ولا أية ضمانات.

وبالنسبة لقانون الخدمة المدنية لم تذكر المرأة سوى فى مادتين فقط، وهما م51 التى تخص اجازة الوضع ثلاث مرات لمدة 4 شهور فى كل مرة، كذلك م52 التى تخص الإجازة بدون مرتب لمرافقة الزوج، أو اجازة رعاية الطفل ثلاث مرات طوال مدة حياتها الوظيفية. وأنه لم يرد ذكر لأى من الحقوق الأخرى حتى التى وردت فى قانون العمل للقطاع الخاص، وكأن الحكومة كصاحب عمل تتحلل من واجباتها تجاه النساء العاملات. فلم يأت ذكر للإلزام بالحضانات لأبناء العاملين والعاملات، ولا لساعة الرضاعة. القانون بهذا الشكل ينظر للمرأة كونها زوجة وأمًا فقط، ليس كامرأة عاملة يجب أن نساعدها كى تتطور فى عملها وتنتج.

***

وعن الفجوة بين القانون والتطبيق فحدث ولا حرج، سوف نكتفى بأربعة أمثلة من حقوق للنساء فى العمل لا يتم تنفيذها رغم نص القوانين عليها، وهى كما يلى:

1ــ حرمان المرأة من العمل فى الكثير من المجالات، وهو ما يوضح مدى التمييز التى تتعرض له النساء فى العمل بالحرمان من العمل فى مجالات بعينها لا لشىء سوى لكونها امرأة. فالعمل فى شتى المصانع (فيما عدا صناعة العزل والنسيج والملابس الجاهزة كثيف العمالة ضعيفة الأجر) هو عمل ذكورى، كما أن العمل فى المدن الصناعية الجديدة مقصور على الرجال، فيما عدا العمل فى الإدارة العليا. وهناك قطاعات بالكامل ممنوع عمل النساء بها سواء كانت فنية أو مهندسة، مثل صناعات الأسمدة والأسمنت والبترول، حتى المهندسات جرى العرف ألا يتقدمن للعمل فى مثل هذه المجالات.

ولعل واقعة رفض تعيين خريجات الحقوق فى مجلس الدولة بالمخالفة للمادة 11 من الدستور تؤكد على نفس الفكرة، فقد أشار د. نور فرحات إلى أن الجمعية العمومية لمستشارى مجلس الدولة، أصدرت قرارًا بالإجماع بإرجاء النظر فى تعيين خريجات الحقوق فى وظائف مجلس الدولة، وكان مبررهم فى ذلك أن نص م11 من الدستور لا يخاطب المجلس، وأنه فى حاجة لقانون من أجل التنفيذ، وأن المادة لا تطبق بذاتها إلا إذا توافرت الظروف لتنفيذها. وهو نفس الكلام الذى قيل عندما تقدمت عائشة راتب فى نهاية الأربعينيات (وكانت الأولى على دفعتها) لكى تنضم إلى سلك النيابة، ووقتها رفض طلبها ولجأت للتقاضى الذى ثبت مسألة الرفض فى بداية الخمسينيات بحجة أن الظروف الاجتماعية غير مناسبة لتولى النساء منصبًا فى القضاء، أكثر من 60 سنة وما زالت الظروف مواتية لتعيين النساء فى القضاء! ومن الأسباب التى ذكرت فى رفض تعيين النساء فى القضاء عمومًا وفى مجلس الدولة خصوصًا أنه مخالف للشريعة، وذلك كون الدوائر فى مجلس الدولة بعد الاستماع للمرافعات يتم الاختلاء فى غرف المداولة، ولا يصح للرجال الاختلاء بالنساء فى غرف مغلقة.

2ــ عدم تطبيق القانون فيما يخص إلزام المنشآت بدار حضانة لأبناء العاملات، فعلى الرغم من نص قانون العمل 12 لسنة 2003 على إلزام المنشآت التى يعمل بها 100 عاملة وأكثر بتوفير حضانة لأبناء العاملات، إلا أننا نجد الكثير من المنشآت لا تنفذ القانون، على سبيل المثال قصر العينى الفرنسى والذى يعمل به أكثر من 2000 ممرضة بخلاف الموظفات والإداريات لا توجد به حضانة، على الرغم من أن طبيعة عمل الممرضات تجعلهن يعملن بنظام النوبتجيات ليلًا أو نهارًا لمدة 12 ساعة، مما يتعذر عليها (حتى لو كانت تملك القدرة المادية) أن تجد حضانات تضع فيها أبناءها فى أى وقت، فماذا تفعل بأطفالها؟ وعلى الرغم من أن قصر العينى القديم به حضانة إلا أنها تعمل فى الفترة الصباحية فقط، لا تعمل ليلًا كما ذكرت إحدى الممرضات. حتى الأماكن التى تتوافر بها حضانة، تكون فى أغلب الأحيان غير ملائمة لرعاية الأطفال وحمايتهم، وكأن لسان حال صاحب العمل الذى يوفر حضانة لأبناء العاملات يقول «يحمدوا ربنا إننا عملنا لهم حضانة». على سبيل المثال لا الحصر حضانة أطفال العاملات بمستشفى العجوزة موقعها بجوار محرقة النفايات الخطرة بالمستشفى، وهو ما يعرض هؤلاء الأطفال للعدوى.

3ــ عدم تنفيذ القانون فيما يخص، ساعة الرضاعة وعدم منح العاملة المريضة بسبب الحمل إجازة تحتسب ضمن إجازة الوضع طبقا للمادة 91 ق12 لسنة 2003، فقد ذكرت إحدى الممرضات بمستشفى عين شمس التخصصى أنهن يعملن حتى يوم الولادة «شفت كامل»، حتى إن زميلاتها بدأت عملية الولادة لديهن أثناء عملهن مما جعل زملاءهم الرجال يصطحبونهم إلى مستشفى الدمرداش. كما أن الممرضات فى العمليات بنفس المستشفى محرومات من الساعة لرضاعة أطفالهن، وعندما طالبن بها قيل لهن إن هذا البند مش متوافر لأن حوافزهن فى العمليات أعلى من بقية العاملين بالمستشفى، وفى مقابل ذلك لا يأخذن هذه الساعة.

4ــ عدم تطبيق بعض مواد قانون الخدمة المدنية على هيئة التمريض فى بعض الأماكن، حيث إن قصر العينى يرفض أن تعمل الممرضات بنظام العمل لنصف الوقت ــ رغم النص عليه فى القانون ــ حتى لو كانت تطلبه بسبب حالتها الصحية التى لا تسمح لها بالعمل كامل الوقت بكفاءة. وعلى الرغم من نص القانون على أن يأخذ موظفو الدولة اجازاتهم، ولا يرحل منها إلا الثلث فقط فى حال حاجة العمل، إلا أن إدارة قصر العينى لا تسمح بأكثر من ثلاثة أيام فقط فى الشهر وإلا يتم الخصم من الحوافز أو الحرمان منها، ويكون العامل والعاملة بين أن يأخذ حقه فى الإجازات أو أن يأخذ الحافز الذى هو فى أشد الحاجة إليه نظرًا لضعف الأجور.

***

من كل ما سبق نستطيع أن نقول إننا نضع حقوق النساء فى العمل ما بين مطرقة القوانين التى تنتقص منها، أو تضيف عليها أعباء تعرقل تطورها فى العمل، وسندان التطبيق العملى الذى يحرم النساء حتى من الحقوق الواردة فى القوانين، وذلك كون القوانين فى أغلب الأحيان لا توجد بها عقوبات رادعة لمن لا ينفذها خصوصًا أن العمال هم الطرف الأضعف فى علاقة العمل.
فاطمة رمضان باحثة في الشئون العمالية ومدير برنامج المشاركة السياسية للنساء والشباب في مؤسسة قضايا المرأة المصرية
التعليقات