الأربعاء 2 سبتمبر 2015 2:20 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد أم ترفض قانون الخدمة المدنية الجديد؟

فى ضرورة الدولة المدنية

نشر فى : الثلاثاء 18 أكتوبر 2011 - 8:45 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 18 أكتوبر 2011 - 8:45 ص

أصدقكم القول، أصبحت اليوم وفى أعقاب أحداث ماسبيرو أكثر اقتناعا بأن حال مصر لن ينصلح إلا بالتأسيس للدولة المدنية تنتقل بها السلطة من المؤسسة العسكرية لهيئات مدنية منتخبة، وتنظم بها العلاقة بين الدين والسياسة، وتضمن بها حقوق متساوية لكل المواطنات والمواطنين. والانتخابات البرلمانية القادمة محطة كبرى على هذا المسار، فإما تقارب بيننا وبين الدولة المدنية بمعانيها غير العسكرية وغير الدينية أو تباعد بيننا وبينها.

 

كلما طال أمد الفترة الانتقالية التى يدير بها المجلس الأعلى للقوات المسلحة شئون مصر غير المستقرة، كلما تورط أكثر وأكثر فى صراعات مع قوى سياسية ومجتمعية وتحول من حكم يقف على مسافة واحدة من الجميع إلى طرف فى الصراع والتنازع على السياسة والشأن العام. كلما طال أمد قيام القوات المسلحة بمهام قوات الأمن النظامية فى حماية وتأمين المنشآت العامة وضبط حراك المواطنين المتظاهرين تارة والمضربين والمعتصمين تارة أخرى، كلما تورط الجيش أكثر وأكثر فى مواجهات لا تخلو من عنف هو والمجتمع فى غنى عنها.

 

إن كان المجلس الأعلى راغبا فى دفع مصر نحو تحول ديمقراطى وإعادة بناء السلطات المدنية والعودة بالجيش إلى مباشرة مهامه الأصيلة فى حماية الأمن القومى وسيادة الدولة، فليحدد جدولا زمنيا لا يتجاوز منتصف العام القادم لاستكمال نقل السلطة بعد الانتخابات البرلمانية بوضع الدستور وانتخاب الرئيس. أكرر علينا جميعا أن ندرك أن الجيش لم يعد حكما بين الأطراف المختلفة، بل بدأ يتحول لطرف فى صراعات ومواجهات السياسة والمجتمع تختصمه بعض القوى الوطنية (ملف المحاكمات العسكرية للمدنيين الذى شهد مؤخرا تطورا إيجابيا بقرار المشير منع محاكمة المدنيين عسكريا) وتطالب بالتحقيق فى أفعاله (تحقيق مدنى ومستقل فى أحداث ماسبيرو) وتدعوه لتغيير مواقفه (قانون الانتخابات والجدول الزمنى الغائب). لابد من الخروج الآمن والسريع من هذا النمط الخطير فى إدارة شئون البلاد حماية لمصر ولفرص التحول الديمقراطى، وللجيش ومؤسسات الدولة أيضا.

 

الدولة المدنية هى وحدها القادرة على تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة على نحو يمنع التجاوزات المرعبة التى بتنا نعانى منها بصورة تصاعدية. تطرف دينى من قبل بعض الجماعات الإسلامية الراديكالية والشيوخ المتشددين ينفى حقوق المواطنة المتساوية عن غير المسلمين ويقصى أصحاب الرأى الآخر بإخراجهم عن الدين والملة. وبالمقابل خطاب طائفى الهوى من قبل بعض القساوسة الذين يخلطون بين الحق المشروع للمصريات المسيحيات والمصريين المسيحيين فى الدفاع عن مواطنيتهم الكاملة ودور عبادتهم وحريتهم الدينية والمطالبة بإنفاذ القانون تجاه المتورطين فى أعمال عنف ضدهم والتحقيق العلنى فى أحداث ماسبيرو الأخيرة وبين إذكاء الشعور الطائفى ودفع حراك المسيحيين إلى داخل الكنيسة بدلا من الوجود خارجها فى المساحة العامة ــ المدنية المتاحة لنا جميعا بغض النظر عن انتمائنا الدينى والقادرة على صناعة التضامن والتوافق حول مواطنة الحقوق المتساوية.

 

فقط الدولة المدنية التى تحظر قانونى المتاجرة بالدين وتمنع الشعارات الطائفية وتحول بأدوات تشريعية (البرلمان) وتنفيذية (الحكومة) دون احتكار البعض للحديث باسم الدين وتوظيفه لإقصاء أصحاب الانتماء الدينى الآخر أو الرأى الآخر هى القادرة على مجابهة التطرف وحماية المساحة العامة بمكوناتها السياسية والاجتماعية والثقافية كمساحة مساواة بيننا جميعا. بل إن الدولة المدنية التى نريد بناءها بالتحول نحو الديمقراطية وسيادة القانون هى أيضا التى تضمن للمؤسسات الدينية الرسمية ممارسة دورها الحقيقى، حماية الالتزام بالشرائع السماوية، وتباعد بينها وبين التوظيف الطائفى أو السياسى غير المقبول.

عمرو حمزاوي أستاذ مساعد العلوم السياسة بجامعة القاهرة وعضو سابق في مجلس الشعب درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات