الخميس 14 ديسمبر 2017 6:22 ص القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

الصلاة بالرقم القومى

نشر فى : الخميس 20 أبريل 2017 - 10:25 م | آخر تحديث : الخميس 20 أبريل 2017 - 10:25 م
فى اللحظة التى ضغط فيها محمود حسن مبارك على زرار حزامه الناسف ليفجر كنيسة الإسكندرية تطايرت ذرات الدمار لتستقر فى أعماق كل نفس مصرية، ومع انصهار الحديد وتفحم الأيدى المتضرعة وسقوط الصلبان تعالت الصلوات فى كل بيت مصرى وكأنها تكمل تراتيل أحد الشعانين فما من شىء يوقفها قط وإن يكن المكان ملطخا بكل هذا الدم. لن يقفل باب مدينتنا قالتها فيروز وسوف نظل نكررها.. فى القدس ولد المسيح عيسى ابن مريم وعلى أرض مصر مشت العائلة المقدسة فمن يتجاسر على قفل أبواب كنائسنا؟. أكثر من أى وقت مضى نقلنا تفجير الإسكندرية إلى قلب الحدث فتوحدنا مع كل صرخة ألم، رأينا هذا الشاب صاحب السترة الزرقاء يهرول من باب لآخر متعجلا لا نكاد نصدق أنه يعى وأنه يريد بكامل إرادته أن يتحول بعد ثوانٍ إلى كتلة من الأشلاء المبعثرة.. لكنه فعلها أمام أعين العالم كله فأذهله وأدمانا. فى كل مرة شاهدت فيها هذا الڤيديو الإجرامى بعدما وقع التفجير رحت أحملق فى المارة الآمنين يتحركون فى محيط الكنيسة أو فى داخلها، فى هذه المرآة، فى هذا الحارس، فى هؤلاء الضباط.. أحملق فيهم وأتابعهم حتى يختفوا من على الشاشة وكأن عطلا فنيا أصاب الإرسال فحجبهم عن ناظرى، هل يتحركون مجددا بعد استئناف البث؟ هل تخرج علينا مذيعة تعتذر عن هذا الخلل الفنى غير المقصود؟ هل يستمر هذا الطفل الذى يلهو فى اللهو؟ هل يكمل هذا الكهل مكالمته التليفونية؟ هل يتبادل المصلون التهانى ويخرجون بتيجان وأساور من خوص؟ أى جنون وأى جرم وأى تبرير.
***
على وسائل التواصل الاجتماعى تفجرت شحنة كبيرة من الغضب والحزن والعتاب.. وسمعت عن حسابات ملفقة تم إنشاؤها خصيصا لتأليب المسيحيين ضد المسلمين والعكس صحيح. لا أستبعد ذلك إطلاقا فمن أرسلوا هذه القنبلة البشرية لتنفجر فى جموع المصلين داخل أحد بيوت الله هل تراهم يترددون فى إرسال الرسائل المسمومة عبر الفضاء الإلكترونى؟. لكن بين ما تدفق عبر هذا الفضاء من مشاعر متضاربة استوقفنى تعليقان أعرف مصدريهما حق المعرفة وتربطنى بصاحبيهما سنوات طويلة من المحبة والعشرة الطيبة، اتفق التعليقان فى المضمون رغم أن كاتبيهما فيما أظن لا يعرف أحدهما الآخر، وهذا يعنى أنهما يعكسان هاجسا عاما وقلقا يتجاوزهما شخصيا. التعليق الأول لابن صديقة العمر وشريكتى فى كل ذكريات الطفولة والشباب والتعليق الثانى لزميلة عملت معها طويلا وتزاملنا فى السفر كثيرا منذ نهاية الثمانينيات، وكلاهما طرح مجموعة من التساؤلات من نوع: هل جربت أن تصلى بعد التدقيق فى رقمك القومى؟ هل عرفت معنى أن تصلى وأذنك مع القداس وعينك على باب الكنيسة؟ هل عانيت من إلحاح أمك عليك بأن تصلى فى البيت لأنه أكثر أمنا؟ هل تعرضت للتفتيش وأنت داخل للقاء الله؟.
أصابتنى الأسئلة فى مقتل بقدر ما هى حقيقية فليس أكثر خصوصية من علاقة الإنسان بربه، هذه المساحة التى لا يراها أحد هى التى تأخذ فيها راحتك على الآخر فتبكى حيث لا أحد يعلم بسر بكائك إلا الله، تفضفض وتعترف لا تنكر ولا تناور فلا محل لغير الصدق فى حضرة الله، تحسبن على من أساء إليك ولا تخشى أحدا فسبحان الله الذى لا يضر مع اسمه شىء فى الأرض ولا فى السماء وهو السميع العليم.
***
نعم يا يوسف ونعم يا إيمان لا يعقل أن أبرز بطاقتى وأنا داخلة لأصلى لكن دلانى على مكان للعقل فى كل هذا المشهد من أوله إلى آخره، نعم لن يجدوا فى جيبك يا يوسف إلا سلسلة للمفاتيح يتدلى منها صليب ولن يجدوا فى حقيبة يدكِ يا إيمان إلا إنجيل متى لكن فى هذه الأيام الصعبة التى نعيشها سيمر بينكما من يتمنطق بحزام ناسف أو يخفى معه قنبلة بحثا عن وهم الفردوس الأعلى. مضى الزمان الذى كان من يدخل بيتا من بيوت الله يأمن على نفسه، الآن هم يكدسون السلاح ويفجرون الأضرحة ويهدمون المقامات على رءوس أصحابها. لم نعتد أن تُغلق المساجد فيما بين الصلوات الخمس فبيت الله هو بيت الله لكننا تأقلمنا مع هذا الوضع بعدما تحولت مساجد المتطرفين إلى أماكن لغسيل الأدمغة وتفريخ العشرات من أمثال محمود مبارك. لم يخطر ببال أحد أن توضع الكاميرات فوق دور العبادة أو يحرسها الجنود والضباط ولا عهدنا أن يجرى التدقيق فى خُطَبة الجمعة ولا ألفنا أن ندعو لتحديث الخطاب الدينى صباح مساء، لكننا بتنا نفتش عن أشرطة الكاميرات ونعول على يقظة الأمن ونراعى تفتح الإمام لنتقى استهداف المصلين برصاص يخرج من الأسلحة والكتب والأفواه. هذا صار حالهم وهذا صار حالنا.
***
أثبت هؤلاء المجرمون قدرة جهنمية على تغيير طبائع الأشياء وفرضوا علينا اللهاث وراء نوازع تدميرهم، ظننا أن القلم خُلِق ليكتب وأن مشاعر الأبوة غُرست لترحم فإذا بِنَا نعلم من خبرة الحصار على العراق أن أسلحة الدمار الشامل تدخل فى صناعتها الأقلام الرصاص وروعنا بأن هناك فى ساحات «الوغى» السورية من يُلغم طفلتيه ويستكتبهما وصيتيهما فتنفجر فاطمة دون أختها. قبل سنوات عندما لجأ أشاوس أفغانستان إلى تلغيم الحمير فى صراعاتهم على السلطة والمال ظننا أن هذا مبلغ قسوتهم ومنتهاها فإذا بالمزيد ما يزال فى جعبتهم.
***
لن يدوم هذا الوضع فالشاذ لا يدوم، ستنتصر إرادة المصريين على هؤلاء المجرمين، وستعمر كنائسنا رغم أنوفهم كما اكتظت عن آخرها فى سبت النور فكانت رسالة لا أبلغ منها. سنتحمل الصلاة فى حراسة السلاح لبعض الوقت فهذا أمر لا مفر منه فى المدى القصير، لكن فى اليوم الذى لا نعود نسأل فيه السؤال الممل: هل تجوز تهنئة المسيحيين بالعيد أم لا؟، فى اليوم الذى نعتاد فيه على وصف المسيحيين بالمواطنين المصريين لا بإخوتنا المسيحيين، فى اليوم الذى ندرس فيه لتلامذتنا أعياد نصف المصريين الآخر ونضع عيد القيامة على قائمة إجازاتنا الرسمية... عندما يحل هذا اليوم لن نحتاج إلى حراسة ولن نبرز بطاقات هويتنا حين نذهب لأداء الصلاة.

 

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات