• أعداد جريدة الشروق

  • الأربعاء 30 يوليو 2014
  • 5:08 م القاهرة
  • القاهرة 35°

بوابة الشروق

  • طباعة
  • تعليقات: شارك بتعليقك

المدينة القاهرة: إيجار مفروش ولاَّ تمليك؟ عمرو عبدالقوى عمرو عبدالقوى

نشر فى : الخميس 20 سبتمبر 2012 - 8:20 ص | آخر تحديث : الخميس 20 سبتمبر 2012 - 8:20 ص

القاهرة على حافة هاوية، قاعها أسود لا نرى له نهاية، أو هكذا بدأت ترتسم لكثير منا الصورة بعد انقشاع قناع اللا مبالاة الذى تكاثر على جفوننا طوال العقود الثلاثة الماضية.. فكأننا نرى البعد الحقيقى لمشاكل هذه المدينة، القاهرة لأول مرة.

 

فالقاهرة شأنها فى ذلك شأن مصر كلها تعانى من مشاكل جمة يصعب حصرها، ويرجع أغلبه لتخلى «الدولة» كممثل شرعى للشعب مخول بمسئوليات التخطيط وإدارة شئون البلاد والعباد عن تلك المسئولية واتباع منهج تخطيط وإدارة عشوائى يركز بالدرجة الأولى على إطفاء الحرائق بعد اشتعالها وليس على تفادى اشتعالها أصلا.

 

ترتب على ذلك أن تراكمت المشاكل وتعقدت تركيباتها وتزايدت أحجامها لدرجة تصبح حلولها المثلى أقرب لعمليات نسف وإعادة بناء.

 

الصورة تبدو قاتمة وكثير منا يتعذر عليه رؤية مخرج لهذا النفق المظلم الذى تم حشرنا فيه.. ومع غموض الرؤية يعود اليأس واللا مبالاة وتعود ريما لعادتها القديمة وكأن الثورة لم تقم إلا لتغيير بعض الوجوه!

 

اللون القاتم سببه كثرة الطبقات المتراكمة لعلاقاتنا وتفاعلاتنا المختلفة مع المدينة. فالقاهرة مدينة عميقة، يعيش فى كل ركن من أركانها تراكمات أكثر من ألف سنة من الزمان والناس. ونحن لسنا فقط قاطنين للمدينة بل نحن أيضا مخططين لها، وبناءين ومتاجرين بها، نحن نتاج منها ومشكلون لها فى آن واحد، نحن جزء لا يتجزأ من تلك الطبقات. ولكى تتضح لنا الرؤية يجب علينا تفكيك تلك الطبقات ودراستها منفصلة حتى يتسنى لنا فهمها فى حجمها الطبيعى. يجب علينا تفكيك دورنا فى هذه الطبقات من خلال التحليل الناقد لفهم دورنا وإمكاناتنا الحقيقية فى تغييره.

 

تبدأ «الشروق» فى هذه الحملة تقديم أبعاد مختلفة لتعقيدات مدينتنا القاهرة بهدف توكيد أهمية وحتمية الدور الذى نلعبه ويجب أن نلعبه لإنقاذ المدينة ومن ثم جودة حياتنا بها. حديثنا سيكون عن مدينة القاهرة بصورة مباشرة وإن كان مضمونه على المدينة المصرية بصورة غير مباشرة، فالقاهرة بحكم مركزيتها وحجمها، أصبحت المثلث الذى تحتذى به سائر المدن المصرية كالقطيع المسير. وحيث إنه من المستحيل التعرض لجميع أبعاد المدينة وطبقاتها ومشاكلها فلن نحاول أصلا ولن ندعى النية لذلك. ولكننا سنحاول طرح أبعاد متنوعة للموضوع ومن أصحاب رؤى متعددة بعضهم مألوف والآخر غير مألوف، هدفنا إثارة المياه الراكدة وحالة الاستسلام والقبول بالأمر الواقع الغالبة على غالبية قاطنى هذه المدينة، لعلنا نرى بعض المشاكل فى حجمها الطبيعى والذى قد يكون مصدر خطر شديد على حياتنا وفى نفس الوقت قد نكتشف أن إمكاناتنا فى مواجهته وحله أكبر بكثير مما كنا نتخيل. من ثم قد تزداد ثقتنا فى أنفسنا وثقتنا فى مدينتنا وفى قدرتنا على استعادة دورنا الفعال والايجابى فى التعامل معها.

 

فى يوم السبت الموافق الثانى عشر من فبراير من عام 2011 نزلت جموع من الشعب المصرى إلى شوارع وميادين مدينتهم، ليس للتظاهر والاعتصام، بل نزلوا لتنظيف المدينة، وغسل شوارعها، وطلاء جدرانها وأرصفتها. ويعتبر هذا الحدث الفريد فى تاريخ المدينة المعاصر، أول تعبير عملى للحب من الشعب المصرى تجاه مدينته خارج إطار الغناء ومباريات الكرة. فطالما عشنا علاقة تبادلية من الحب والكراهية لمدينتنا القاهرة: نلقى المخلفات فى الشارع ونشتكى الشعب «القذر» الذى لا يراعى مبادئ الصحة ويتعامل مع المدينة على أنها مقلب «زبالة» كبير.. أو نخالف قواعد المرور ونشتكى من زحام وفوضى الشوارع..! وكأننا جميعا نشارك الفنان الراحل عادل خيرى فى مسرحية «إلا خمسة» فى مقولته الشهيرة «ربنا يخرجنا من دار البلا بلا بلا» ومع ذلك فإننا لا نخرج، بل نتزاحم عليها ونتكاثر بها.

 

●●●

 

مثلت أحداث الثانى عشر من فبراير أول تعبير شعبى مناقض لعلاقة التضاد هذه، وكأن الدفة مالت بوضوح تجاه الحب، فكان أول تعبير عن ملكية الشعب للمكان. ففى هذا اليوم نزل الناس بمشاعر صادقة ورغبة حقيقية فى العناية بالمكان وتحسين حالته. واستمرت قوة الدفع هذه لعدة أسابيع تالية، حتى أصبح منظر الشباب الممسك بأدوات الطلاء فى الشوارع منظرا مألوفا جدا، واستمر حتى لم ينج الشجر الطبيعى من الألوان الأحمر والأبيض والأسود.

 

ثم توقف الطلاء.. وعادت الشوارع لما كانت عليه قبل الثانى عشر من فبراير.. عادت مشكلة الزبالة وعاد الزحام والفوضى.. وربما بصورة أكبر وأكثر.. وعادت الشكوى من «اللى بيعملوه فى البلد».. مين؟.. هما.. يخرب بيتهم بوظوا البلد!

 

دعونا نعود إلى يوم الثانى عشر من فبراير هل كانت مشاعر الحب التى أظهرها الشعب لمدينته أكذوبة ظهرت مع نشوة نجاح الخطوة الأولى للثورة؟ لقد نجح هذا الشعب المقهور لعقود يصعب حصرها، نجح ولأول مرة فى تاريخه المعاصر من الوقوف أمام رمز القهر والطغيان وإرغامه على الخنوع لإرادته، إرادة الشعب. نجح لأول مرة فى أخذ زمام المبادرة وتغيير حاله بيده، والمطالبة بحقه فى حياة كريمة، نجح شعب مصر فى هذا اليوم فى استعادة ملكيته لمدينته التى طالما عاش فيها مستأجرا. فى يوم الثانى عشر من فبراير عادت المدينة لمالكيها الأصليين، فمن الطبيعى ان ينزلوا لتنظيف ميادينها وغسل شوارعها وطلاء جدرانها.

 

●●●

 

فى الثمانية عشر يوما السابقة لهذا اليوم جرب الشعب شعور الملكية هذا فى الميدان فقط حيث تركزت أعمال اعتصامه ومقاومته. هذا الميدان الذى تحول إلى دويلة داخل الدولة يديره ويحميه ممثلون للشعب ويرفضون التنازل عنه تحت أى ظروف لأنه أصبح يمثل البقعة المحررة الوحيدة من أرض الوطن المغتصب. أقام الشعب فى هذا الميدان مدينته الفاضلة.. مدينة نظيفة وحرة يتسم ساكنوها بالتآخى والمحبة والتسامح.

 

فى الثانى عشر من فبراير نزل الشعب للاحتفال باستعادة باقى المدينة وضمها لدويلة الميدان. نزل وقام بتنظيف مدينته لتكون جميلة وزاهية. وفى غضون أيام قليلة زالت آثار دويلة الميدان تحت طلاء جديد وزرع جديد، وأرصفة جديدة.. وكأنها لم تكن!

 

لفترة وجيزة استعاد الشعب ملكيته للمدينة وحاول التعبير عن ذلك بالمفردات القليلة المعروفة له نتاج منظومة تربية سلطوية دأبت على خلق وتنمية شعور بالغربة لديه وذلك لتدعيم مركز الدولة والنظام. فالدولة هى التى تملك وهى التى تحكم وهى التى تدير، وبحكمتها وكرمها يأكل الشعب ويدرس ويعمل! ولذلك تأقلم الشعب على استخدام مدينته كالمستأجر للشقة المفروشة.. الشقة ليست ملكه ومحتوياتها ملك طرف آخر فهو يعتنى بها بالحد الأدنى الذى يكلفه أقل شىء.

 

وولد ذلك نوعا جديدا من مفاهيم الملكية العقارية، فالشقة المملوكة لمواطن منا تجده يستثمر فى بياض ودهان حوائطها بما فيها حوائط البلكون على واجهة المبنى التى قد تكون تركت على الطوب الأحمر بدون بياض. ويتشابه فى هذا التصرف جميع السكان وكأنهم لا يعترفون بالملكية المشتركة لباقى واجهة مبناهم، فما بالك بالملكية العامة للشارع والفراغات العامة بالمدينة التى يقف فيها المبنى الذى نمتلك شقة فيه؟ فيصبح من الطبيعى أيضا ان نعبر عن مشاركتنا فى هذه المنافع من خلال وضع سلاسل لتحديد نصيب كل فرد منا فى الشارع أمام منزله!

 

●●●

 

الواقع الصعب الذى واجهناه يوم الثانى عشر من فبراير عام 2011 والأيام والأسابيع التى تلته هو ان ملكيتنا لمدينتنا يصحبها مسئوليات والتزامات مشتركة. فى مدينتنا الفاضلة داخل الميدان استوعبنا ذلك وتأقلمنا عليه بمساعدة الخطر الخارجى، كما ساعدت على ذلك محدودية المكان والزمان. ولكن عندما اتسعت أبعاد الحدود لتشمل المدينة كلها، واتسع الزمان ليصبح دائما ظهر حجم المشكلة الحقيقى وظهر حجم الالتزام والمسئولية المطلوبين، اتضح انه يفوق أعمال طلاء الأرصفة والشجر. فبدأنا فى التراجع والتقهقر إلى الخلف والعودة إلى دور المستأجر، حيث ندفع فقط والصيانة تصبح مسئولية طرف آخر.. بدأنا نبحث عن مالك جديد نشتكى إليه ونلعنه بدلا من المالك القديم الذى طردناه.

 

الحقيقة الصعبة التى يجب علينا قبولها وسرعة التعامل معها هى ان هذه المدينة (كالبلد كلها) هى مدينتنا وهى نتاج مباشر لحياتنا بها، فنحن نشكلها ونتشكل بها. فإذا اخترنا دورا سلبيا فى هذه العلاقة التبادلية فمن الطبيعى ان يكون النتاج سلبيا ذا تأثير سلبى على جودة حياتنا بها. فعلى مدى العقود الأربعة أو أكثر الماضية أصبحت السلبية السمة الغالبة على علاقتنا بالمدينة حتى استرسخت بنا وأصبحت منهجية وأسلوب حياة. بالطبع فإذا سلمنا بهذا فليس من المنطقى ان نتوقع تغييرا جذريا فى منهجية شعب فى غضون أسابيع أو أشهر فقط لأنه قام بثورة.

 

التحدى الأكبر يكمن فى قبولنا للمواجهة.. مواجهة صريحة مع الذات الفردى والجماعى. يجب ان نعترف ونقر ببعض الحقائق التى بدونها لا يمكن أن يبدأ تغيير حقيقى فى مدينتنا وجودة حياتنا بها. بعض هذه الحقائق هى:

 

●●●

 

ــ هذه المدينة مدينتنا وهذا حق يستدعى ممارسته دائما وكل يوم.

 

ــ أنا وأنت مسئولان عن الحالة المزرية التى وصلت لها مدينتنا ولا جدوى من تعليق الشماعة على طرف آخر (نحن الملاك).

 

ــ الدولة والمحافظة والحى ما هى إلا أدوات ننيب لها بعض المهام فى الإدارة اليومية لهذا الحق.

 

●●●

 

القرار لك.. سيادتك مالك ولاَّ مأجر مفروش؟

  • طباعة
خدمة الشروق للرسائل القصيرة SMS.. اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة
تابع المزيد من الشروق على

أحدث مقالات الشروق