الإثنين 11 ديسمبر 2017 11:40 ص القاهرة القاهرة 18.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

للعمران وجه آخر الماء والأرض وقوت المصريين

نشر فى : الأحد 21 مايو 2017 - 9:35 م | آخر تحديث : الأحد 21 مايو 2017 - 9:35 م

توالت الاجتهادات فى الآونة الأخيرة حول قضايا التنمية والعمران فى مصر، ولأن الأمر جاد وخطير لحاضر ومستقبل عموم المصريين، فلعله من المفيد استكمالا لما ذُكر، استعراض وجوها أخرى للعمران. منها على سبيل المثال ما يرتبط بالماء والأرض، ودعائم إقامة واستقرار مجتمعات عمرانية قادرة على إنتاج قوتها وقوت المصريين جميعا، عوضا عن استجدائه من الآخرين، مجتمعات تُوفر فرصا أفضل للحياه لجموع غفيرة من البشر تُعانى من التكدس والعشوائية والبطالة وتدنى مستوى المعيشة فى الوادى والدلتا.

المـاء
على مدى زمن سحيق، رسم نهر النيل لنفسه مسارا محددا، تدفقت منه المياه من منابعها فى عمق أفريقيا جنوبا لتصب فى المتوسط شمالا. وكان حدث الفيضان الموسمى للنهر يحمل خيرا كثيرا، يكسو الأرض بطبقات خصبة من التربة غنية بالأسمدة الطبيعية، بعد غسلها وتطهيرها من الأملاح والأمراض والآفات والحشرات والقوارض والزواحف والمخلفات الآدمية. أما الأمر الأكثر أهمية فهو أن ترسيب الطمى الذى حمله الفيضان السنوى عند مصب النهر قد أقام سدا طبيعيا منيعا مُتجددا من التربة الخصبة تصدت لهجوم مياه المالح، ووفرت حماية مستدامه متوازنة للشواطئ الشمالية والدلتا من الغرق على مدى العصور. ومع انقطاع عمل اطماء مياه الفيضان ظهرت تدريجيا معالم غرق سواحل شمال مصر ومن تسرب الأملاح فى عمق أراضيها وخاصة دلتا النهر هذه الظاهرة الخطيرة التى يفسرها البعض على غير الحقيقة على أنها بسبب التغيرات المناخية لأنهم لا يريدون الاعتراف بحقيقة المؤثرات البيئية شديدة الخطورة للسد العالى على البلاد ومن بينها غرق الدلتا تدريجيا.
من جهة أخرى امتزجت مياه الفيضان بمياه البحر لتتكون بذلك بيئة بحرية متكاملة غنية بالاحتياجات الغذائية اللازمة لحياة وتكاثر كائنات البحر المختلفة، تعاظمت على مدى التاريخ وانتشرت إقليميا حتى بلغت مشارف السواحل التركية واليونانية. وبين الحين والآخر كان حجم فيضان النهر يزيد عن سعة حوضه فيجتاح ما حوله مما أرغم الناس على الابتعاد عنه بعدا مكانيا كافيا خوفا من ثورته، مما حمى النهر على مدى الزمن من مختلف أنواع التعديات.
كل ذلك كان فى الماضى؛ حيث الأرض خصبة والقوت وفير، أما الحاضر فقد أوجد السد العالى وضعا بيئياَ جديدا، تبدلت على أساسه تدريجيا أوضاع الحياة والبيئة فى مصر تبدلا كبيرا، مغايرة تماما للأوضاع سابقة الذكر، بالتوازى مع تضخم متنام للكتلة السكانية بالوادى والدلتا، التى انحصر وجودها فوق رقعة صغيرة من أرض مصر، تلتهم فى طريقها بشراهة متواصلة الأراضى الزراعية المتوفرة. يحدث كل ذلك فى مواجهة عجز كامل لأولى الأمر عن توفير بدائل مغرية تعمل على تحفيز الهجرة العكسية للسكان إلى خارج الوادى والدلتا، للتخفيف من وطأة التكاثر السكانى على حساب تضائل مساحات الأراضى الزراعية.
لقد ولدت فكرة بناء السد العالى على خلفية فقدان جزء كبير من مياه النهر فى المتوسط. ويتذكر شيوخ الرى والبيئة طرح بدائل عديدة لتخزين المياه منعا لضياعها فى المالح، من بين هذه البدائل بناء خزان هائل فى الجنوب، إلا أن ذلك لم يلق استحسانا من علماء الماضى تحسبا لتأثيرات بناء السد المتوقعة البالغة على البيئة ودورة الحياة الطبيعية فى مصر، ومع تغير النظام السياسى فى الخمسينيات عادت إلى الظهور مرة أخرى فكرة إقامة السد الكبير بعد أن راقت لشباب النظام الجديد المندفع.
يبدو أنه فى فورة الحماس وبإيحاءات من أصدقائنا الروس الذين كان لهم دور حاسم فى الإسراع بإقامة المشروع، حيث كان ذلك يمثل للدب الروسى فرصة نادرة للتواجد الثقيل فى مصر والتسلل من خلالها إلى كامل منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا فى إطار نزاع السيطرة بين كتلتى العالم، فاندفع شبابنا دون تروٍ فى إجراءات التنفيذ؛ حيث كان الهدف الأكبر هو تخزين المياه والحماية من أخطار الفيضانات الكبرى. لكن دون النظر بجدية كافية إلى المؤثرات السلبية الهائلة التى ستنتج عن التدخل فى نظام بيئى متكامل العناصر متأصل فى القِدم يزيد عمره على ستة ملايين عام، وُلدت على أساسه الحياة لأولى تجمعات بنى البشر فى وادى النيل ومهد لنشأة أعظم حضارات العالم الماضى.
الآن بعد أن ولت لحظة الحماس وحلت لحظة الحساب، وعلى خلفية توقعات تناقص موارد المياه وتضاؤل حصة الفرد من مياه الشرب، إضافة إلى الخلل البيئى الكبير الذى أصاب المتوسط والأراضى الزراعية التقليدية نتيجة انقطاع ورود الغرين الخصب المحتجز خلف حائط السد، وشواهد غرق الدلتا والسواحل الشمالية التدريجى، فلا يمكن فى مواجهة هذه الأوضاع أن نكتفى بدور المفعول به.
متى إذن يكون لمصر دور فاعل فى مواجهة المتغيرات الهائلة المشار إليها؟ هل يعجز العلم الحديث عن ابتكار وسائل للاستفادة من الطمى المترسب فى البحيرة وتحريره من محبسه لإحياء الخصوبة المفتقدة للأراضى المصرية فى الوادى والصحراء والمتوسط على حد سواء؟ ثم هل يعجز العلم الحديث عن ابتكار وسائل ثانية لإعادة توزيع مياه السد على شبكة من الخزانات الصغيرة والمراوى تنتشر فى الوديان والصحراوات، لتولد على ضفافها اللبنة الأولى لأنوية عمرانية زراعية غير تقليدية تُحفز البشر على الإفلات من مصيرهم البائس ومن العشوائية والتكدس والتزاحم على رقعة صغيرة من الأراضى، تعمل على استقرارهم فى إطار جديد أرحب للأراضى والرزق؟ ووسائل ثالثة للارتقاء بمنظومة إدارة المياه القائمة التى عفا عليها الزمان؟ بل السعى نحو إضافة مصادر جديدة للمياه باستخدام الطاقة الشمسية فى تحلية مياه البحر، واستخدام الخزانات الجوفية التى تتضارب المعلومات عن حقيقتها حتى الآن بكفاءة وترشيد، وكميات مياه السيول الهائلة التى تذهب هباء فى البحار؟
ألا يستحق منا كل ذلك أن يكون نواة لمشروع قومى يتجمع حوله المصريون يعيد الاتزان إلى دورة الحياة الطبيعية فى مصر ونشر العمران المنتج على أراضيها؟

الأرض وقوت المصريين
فى مواجهة التضخم المتنامى للكتل السكانية فى الحضر والريف والطلب المتزايد على السكن والخدمة، رضخ أولى الأمر لضغوط الأهالى، ربما سعيا إلى شعبية مفتقدة بالسماح لهم مؤخرا بالبناء فوق الأراضى الزراعية تحت شعار تحديد حيز عمرانى أكبر للمدن والقرى وتوابعها، إضافة إلى ما يسمى بالمتخللات العمرانية لاستيعاب أعداد السكان المتزايدة باطراد سريع، الأمر الذى سيؤدى إلى التهام مزيد من الأراضى الزراعية التى نحن فى أشد الحاجة إليها، ولا يُعرف الحجم الحقيقى لهذه الأراضى وإن كان تقديرها لا يقل عن مئات الآلاف من الأفدنة أخذا فى الاعتبار مساحات الأراضى الزراعية التى ستتحول إلى أراضى بناء بموجب تحديد حيز عمرانى جديد للمدن التى يصل عددها إلى 220 مدينة والقرى إلى 4200 قرية والتوابع بالعزب والنجوع والكفور إلى عدة عشرات آلاف.
يحدث كل ذلك فى غياب شفافية واجبة لإعلام المصريين بهذه التصرفات التى تتم بعد أن عجز أولى الأمر عن ابتكار وسائل وآليات فعالة لبعث حياة جديدة فى الصحارى الواسعة خارج الوادى والدلتا، تستوعب الجموع الغفيرة تفاديا للمجاعة القادمة المتوقعة. لقد سقط من الحساب أن استمرار النشاط الزراعى فى مصر وتحديثه واستغلاله اقتصاديا وبيئيا بالأسلوب الأمثل، يُحتم أن يكون التوجه هو نحو تخفيف كثافة السكان واليد العاملة فى الريف تخفيفا كبيرا، وهو اتجاه معاكس تماما للأسف لما هو جارٍ تنفيذه بالفعل الآن.
لنا أن نتخيل أنه تحت ظل منع البناء على الأراضى الزراعية فى الماضى، التهمت عشوائيات العمران مساحات نفيسة من الأراضى الزراعية، قُدرت فى نهاية القرن الماضى بحوالى ستين ألف فدان سنويا من الأراضى عالية الكفاءة. فماذا سيحدث الآن ونحن على وشك إطلاق يد الأهالى فى البناء على أراضى الدلتا والوادى حول المدن والقرى وتوابعها؟ إضافة إلى الأراضى المهدرة نتيجة تفتيت الملكية المستمر، حيث أن حوالى 70% من ملكيات الأراضى الزراعية تتراوح بين قيراط وفدان، مما يعنى تحول ثلاثة أرباع الأراضى الزراعية إلى وحدات إنتاجية غير اقتصادية، كما تحتاج الملكيات متناهية الصغر إلى خدمات تستهلك أجزاء إضافية من الأراضى لعمل قنوات ومساقى ومصارف وحدود وطرقات تزيد على 10% من المساحة.
لقد اعتمد استغلال الأرضى فى الماضى على الكثرة العددية لليد العاملة، أما الآن فقد اختلفت الأوضاع مع تطور تقنيات الزراعة الحديثة التى تعتمد على إدارة المساحات الكبيرة بأقل عدد من العمالة. على سبيل المثال فإن العلاقة العددية للعمالة الزراعية بالأرض المنتجة فى مصر هى عامل / نصف فدان، بينما تصل مقارنة مع الولايات المتحدة إلى عامل / 100 فدان، لذلك فإنه حتى نهاية القرن الماضى كان الفلاح المصرى يُطعم نفسه بالكاد، أما الفلاح الأمريكى فكان يُطعم 48 فردا إضافيا، يحدث كل ذلك مقارنة بين أمتين إحداهما ذات تاريخ عريق فى الزراعة والأخرى حديثة العهد للغاية.
الخلاصة هى أن تحقيق طفرة حقيقية فى إنتاج قوت المصريين ويزيد، وفى استقرارهم المستقبلى الآمن فى رحاب أكثر سعة وازدهارا، لن يتحقق على طريقة ترحيل مشاكل اليوم إلى الغد، أو عن طريق إرضاء قطاع من المجتمع على حساب قطاعات أخرى، إن بداية الطريق الذى لم نبدأه بعد هو الإقرار بشجاعة بمشاكل مصر الكبرى واستقطاب القدرات والعقول القادرة على المشاركة فى ابتكار أساليب جديدة لإدارة التنمية لمواجهة هذه المشاكل.
إننا الآن فى موقف يستوجب استنفارا عاما لابتكار رؤى وآليات مختلفة قادرة على تحقيق طموحات تعظيم الاستفادة من موارد الماء العذب والأرض المنتجة، فى سبيل استقرار حياة آمنة مزدهرة للأجيال القادمة وهما هَم الحاضر والمستقبل الأكبر للمصريين.

سامح عبدالله العلايلى عميد سابق وأستاذ بكلية التخطيط العمرانى جامعة القاهرة
التعليقات