لا أعرف لماذا لا يعترف الجميع بخطورة ما يحدث من شقاق سياسى، على أوضاع مصر الاقتصادية، والتى ستصيب أول ما تصيب فقراء هذا الوطن، بالرغم من ان أطراف الشقاق السياسى لا يتوقفون لحظة عن الاشارة أو الحديث ان كل ما يفعلونه هو من أجل هؤلاء الفقراء، وبالتالى لا يمكن ان نمنع أحدا من شكه فى إخلاص الأطراف التى تصر على عدم العمل، وترغب بشكل دائم فى اشعال المواقف، والتى لا ينتج عنها سوى مزيد من الاحتقان، ومزيد من خسائر الاقتصاد، والذى ينزف بالفعل، وليس مجرد استعارة مكنية أو فصاحة لغوية عن حقيقة ما يتعرض له، والحقيقة أيضا ان الحفاظ على الاقتصاد ليس سُبة ولا خيانة، بل هو ضرورة وواجب وطنى يجب العمل من أجل تحسين ظروفه، وإلا كيف سيحقق الداعين للعدالة الاجتماعية وعودهم للفقراء، وهم يتحملون المسئولية المباشرة عما يمكن ان يتعرض له قوت المواطن من مخاطر، هى بالضرورة ناتجة عن اسباب سياسية لا يختلف عليها أحد، فلماذا لا يتوقف هذا العبث بمقدرات الأمة، وهذا اللهو بمصالح شعب، وعدوه بالخير بعد ثورة استجاب لها، فلم يجد إلا كل الشرور تحاصره فى كل متطلبات حياته، من أمن وعمل وغذاء وتعليم وعلاج.
الأكيد أننا نفهم حقيقة الخلاف السياسى بين الأطراف المتنازعة، وربما يكون الحق مع طرف منهم فى موقف، ومع الطرف الآخر فى موقف ثانٍ، وربما تكون الخلافات السياسية صحية، ومفيدة فى مرحلة إعادة بناء وطن تعرض لمظالم كبرى، خلال سنوات طويلة، ولكن ما نشهده من أحداث، لا يمكن ان يكون ابدا من ذلك النوع المفيد او الصحى، وذلك لسبب فى غاية البساطة، ان كل ما يحدث يتم بعيدا عن منطقة السجال، والتى نطلق عليها «الديمقراطية»، فكل الخلافات لا تتبع قواعد اللعبة ولا قوانين المصلحة العامة، بل أقرب ما يكون لخلافات فتوات حوارى مصر القرن قبل الماضى، بحثا عن الفتونة والقوة والسيطرة، وكلها أمور تنتمى لعهود لا يمكن ان تعود، ولا علاقة لها بما نسميه «أُسس الدولة الحديثة»، وبالتالى لا ينتج عن هذا الصراع البدائى سوى الخراب الذى سيهبط على رءوس الجميع، ولن يستثنى أحدا.
طبعا اصبح التوافق بعيدا عن أذهان، وخيارات المتصارعين، والتوافق، بلا شك كان الأنسب للمرحلة الانتقالية، لذا فلا يوجد أمامنا (فى ظل غياب التوافق) إلا أن يقف الجميع على أرض المعركة الحقيقية، معركة البناء، فيختلف المختلفون، ولكن فى اطار من الاتجاه صوب صالح الجماهير فى احتياجاتهم الاساسية، وهى ارض تسمح بالخلاف، وعدم التوافق، لكنها لا تسمح بمعارك الفتوات، تسمح لمن بيده السلطة اتخاذ ما يراه من قرارات يعتقد انها فى صالح الناس دون ان يطلب من المعارضة ان تكون شريكا له او مسئولة عنها، فعلى من يحكم ويقرر ان يتحمل المسئولية كاملة فى اطار شرعى ودستورى وقانونى، فى المقابل على المعارضة ان تمارس كافة ادوارها النقدية لقرارات من يحكم، ولكن ايضا فى اطار ما أُتفق عليه من المساحات التى يمكن تتحرك فيها قوى المعارضة.
إن العودة لقواعد اللعبة السياسية الديمقراطية، بات ضرورة تستوجب استدعاء عقول قادة من فى الحكم ومن فى المعارضة، لأن فصائل عديدة من ابناء هذا الشعب كفروا بالطرفين ومما يفعله الطرفان، فهم كانوا يبحثون عن حياة أفضل، فلم يجدوها، فقط وجدوا توترات وخلافات ومشكلات وخناقات ومعارك وكثير من الضجيج، بلا أى طحن، وهذا ــ بالتحديد ــ لن يستطيعوا معه صبرا لوقت طويل.