• أعداد جريدة الشروق

  • الأحد 21 ديسمبر 2014
  • 3:53 ص القاهرة
  • القاهرة 13°

بوابة الشروق

  • طباعة
  • تعليقات: شارك بتعليقك

الصفقات المحرمة بين الخروج الناعم والعفو الودى أميمة كمال أميمة كمال

نشر فى : الأحد 30 ديسمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 30 ديسمبر 2012 - 8:00 ص

أجد لدى الشجاعة، بعد طول معاندة مع النفس، أن أقدم التحية الواجبة لكل أركان النظام الحاكم بفريقه الرئاسى، والتشريعى، والفقهى، والاقتصادى. فقد نجحوا نجاحا مبهرا فى إغراق الأغلبية من خلق الله فى سيل لا ينتهى من الإجراءات التفصيلية التى تجعل الواحد منا يتوه وسط التفسيرات الحلزونية لها. فمثلا لم يتوان المسئولون فى النظام الحالى، الواحد بعد الآخر، عن إطلاق وابل من التصريحات العنترية، التى تثبت أنهم لن يتركوا حقا للناس قد اغتصبه أحد أباطرة النظام السابق. أو مالا، أو أرضا، أو أى أصل من الأصول العامة منحه فاسد من مسئولى الدولة المباركية إلى مفسد آخر، إلا وأعادوه للشعب.

 

وليس ببعيد عن ذلك، تلك الخطبة التاريخية التى وعد فيها الرئيس محمد مرسى باستعادة 100 مليار جنيه من 5 شركات فقط. بعضها كان قد تهرب من الضرائب، والبعض الآخر اشترى أرضا من الدولة، بأقل من قيمتها، والآخر غير طبيعة النشاط الزراعى إلى عقارى، من وراء ظهر الحكومة. وهو ما رفع سقف التوقعات لدى قطاع عريض من المصريين، وتصوروا أن زمنا قد حان لاقتطاف الرءوس التى أينعت. إلا أن هؤلاء فوجئوا بأصوات آتية من أركان النظام بحزبه وحكومته، تعلن أنه ليس كل أرض تم بيعها بملاليم تكفى كشاهد على فساد، ولا هى دليل إثبات على وجود يدين إحداهما فاسدة، وأخرى مفسدة. ولكن يقولون يد واحدة تكفى لعقد صفقة محرمة، وتبقى الأخرى طاهرة. فى إشارة لا تخطئها، لا العين، ولا الأذن من أن المسئول الحكومى السابق غالبا هو من أفسد، فى غيبة رجل أعمال حسن النية، أو مستثمر استغل المسئول الحكومى سذاجته، وعقد معه صفقة فاسدة غصب عنه.

 

ولم تخجل تلك الأصوات من الإفصاح عن رأيها فى أن بيع شركة من شركات القطاع العام بسعر بخس، لا يكفى دليلا على أن البائع والمشترى، قد اقترفا فعلا فاسدا. بل بلغ الأمر ببعض المسئولين أن استمروا فى الدفاع عن بعض صفقات خصخصة الشركات، حتى بعد صدور أحكام قضائية بفساد تلك الصفقات. تنطوى حيثياتها على وجوب محاكمة كل الأطراف التى شاركت فيها.

 

•••

 

وما إن تنتهى وصلة غسيل المخ لقبول الأفكار التى تحبذ جعل الفساد على المشاع، بحيث يصعب الإمساك بمقترفيه، حتى تبدأ جولة جديدة فى إغراقنا بالتفاصيل من حيث تشكيل لجان لفض المنازعات مع المستثمرين. ثم سرعان ما يتم فك اللجان، وإعادة تشكيل لجان أخرى. وكان آخرها اللجنتين الخاصتين بفض المنازعات مع المستثمرين وديا التى تم الإعلان عنها الشهر الماضى. وبدلا من أن تكون أعمال هذه اللجنة معلنة ومتاحة أمام الناس حتى يتأكدوا أن الود الذى تم به حل المنازعات مع المستثمرين ودا حميدا، وليس خبيثا. على العكس تم النص فى قرار تشكيل اللجنة «على حظر إفشاء المعلومات حول النزاع، أو الحلول التى تدرس لأى شخص، بما فى ذلك ما تحتويه المحاضر، أو التقارير أو المستندات».

 

ولأن تفاصيل بنود التسويات تظل سرا فى خزانة الحكومة، فهى تسلب الناس حق معرفة أين ذهبت أموالهم، وفى نفس الوقت تفقد الحكومة ورقة مهمة من أوراق التفاوض، وهى الضغط الشعبى. وربما استقواء رئيس إحدى الشركات الإماراتية، وتعنته فى فرض شروطه، وعدم موافقته على السعر الذى حددته الحكومة كزيادة على سعر الأرض، التى حصل عليها، وحولها من أرض زراعية إلى مبان تجارية، يعود بالأساس إلى أن الحكومة تفاوضه، وظهرها عار من الضغط الجماهيرى. وبالرغم من أنه قد تم الحكم عليه بمقتضى محكمة مصرية بالسجن 5 سنوات، فإن المفاوض المصرى، لم يستطع أن يستفيد من استخدام أهم ورقة ضغط، وهى إسقاط الحكم عليه. وظل رغم ثبوت مخالفته هو الطرف الأقوى.

 

ويأتى فى نفس السياق ما أعلن عنه وزير التنمية المحلية مؤخرا من أن مجلس الوزراء بصدد الرجوع عن فرض الحظر على ملايين الامتار من الأراضى، التى كانت الحكومة قبل الثورة، قد خصصتها لعدد من اشهر رجال الاعمال من اصدقاء النظام، فى منطقة شمال غرب خليج السويس. وهو الأمر الذى يحتاج إلى تفسير. فإذا كان حبل الود بين الحكومة ورجال الأعمال فى العهد السابق، كان خبيثا، وهو ما كان عربونه جنيها للمتر يدفعه رجل الأعمال، ثم يتبعه بسداد 40 قرشا كل عام لمدة 10 سنوات. ليصبح المتر مساويا بعد عقد كامل من الزمن 5 جنيهات. وقام بعض من هؤلاء بإعادة بيعها محققين مكاسب بالملايين.

 

وهو ما يعنى أن مجلس الوزراء كان لزاما عليه أن يقول لنا من الذى أعطى حفنة من رجال الأعمال كل هذه الملايين من الأمتار بقروش. ألم يشتم أحد من هذه الصفقة رائحة فاسدة تستوجب محاسبة أطراف هذه الصفقة؟. وما دامت الحكومة قد قررت العفو وديا، عن كل من هانت عليه أرض مصر، واسترخص ترابها، ألم يكن من الواجب عليها أن تعلن لنا عن حيثيات الخروج الآمن لهؤلاء؟.

 

وهذا ليس المثال الوحيد، بل هناك أمثلة كثيرة عن تسويات مع شركات عديدة، انتهت بالعفو المجانى عن أطراف سوف يظل معلق فى رقبتها حبل الإدانة، مادامت يد المساءلة لم تطلها، وبالتالى لم تبرئها.

 

•••

وليس فقط غياب الشفافية والإفصاح عما يدور فى جلسات الود التى تتم بعيدا عن أعين أصحاب الحقوق الضائعة، هو ما يدعو للقلق. ولكن أيضا حالات الخروج الناعم لكبار المسئولين السابقين الذى جمعوا بين الحسنيين، الدخول الآمن فى ظل النظام السابق قبل الثورة، والخروج الناعم لحكومة ما بعد الثورة. فنجد مثلا رئيس الشركة القابضة للسياحة السابق يباغتنا بتقديم استقالته، ويشاع أنه دفع دفعا من جانب وزير الاستثمار الحالى، مشفوعا برغبة سيادية لترك منصبه، بعد أن كثر الحديث حول ملاحظات أبدتها بعض الأجهزة الرقابية حول الرجل. ويخرج المسئول دون أن نعرف ما حقيقة ما أشيع حوله، ولماذا تحرص الحكومة على أن يبقى الاتهام معلقا فى رقبته، دون أن يخرج علينا مسئول بنفى تلك التهم، أو بتفنيد أسباب عدم محاسبته، وتركه يخرج خروجا ناعما.

 

نفس الشىء تكرر مع رئيس الشركة المصرية للاتصالات الذى قيل إنه قدم استقالته بضغوط بعد ان اثيرت حوله اتهامات بأنه كان هو وأفراد أسرته شركاء لصهر علاء مبارك فى مجموعة شركات. وإنه كان يحصل على اعمال وتوريدات لصالح هذه الشركات من الشركة المصرية للاتصالات التى يرأسها بحوالى مليارى جنيه. إلى جانب اتهامات تتعلق بتبرعات قدمها بالملايين من الشركة المصرية لصالح جامعة النيل مجاملا لأحمد نظيف رئيس الوزراء السابق دون أن يخرج علينا مسئول بحقيقة هذا الرجل، وإذا كان بالفعل مدانا، لماذا لم يخرج مقالا، وليس مستقيلا؟

 

وإذا كنا قد قبلنا على مضض التفسيرات الحلزونية التى يقدمها أعمدة النظام الحاكم لتطبيق الخروج الآمن لمن لا يستحقونه، أو العفو بأساليب ودية لمن يستوجب عقابهم. فإن مرارة المرء منا لا تقوى على احتمال التفسيرات الدينية لبعض فقهاء الدين العصريين الذى خرجوا بفتوى أن رد الاموال المنهوبة يسقط العقوبة فى الآخرة. فما بالك لمن لم يغادر عتبة دنيانا. إذن الخروج الناعم حلال.. حلال.. حلال.

  • طباعة
خدمة الشروق للرسائل القصيرة SMS.. اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة
تابع المزيد من الشروق على