العدو الإسرائيلى - شريف عامر - بوابة الشروق
الإثنين 12 أكتوبر 2026 7:23 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

العدو الإسرائيلى

نشر فى : الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 6:37 م

لم أعرِف خالى الشهيد الشاب الذى تدرب واستشهد قبل شهور من تاريخ 6 أكتوبر 1973م، مثله فى ذلك مثل الآلاف من أبناء الأسر المصرية قبل أكتوبر وخلاله، قبل ثلاثة وخمسين عامًا.

 لكن بيتنا شهد آخرين ارتبطوا بالصراع. فتحت باب منزلنا عام 1982م، مستقبلاً عمى رءوف نظمى بعد عودته بيوم أو يومين من بيروت؛ حذاؤه طويل الرقبة، المُتْرَبُ، كأنه قادم للتو من جبهة مقاومة. «الحكيم» هو اسمه الكودى فى منظمة التحرير الفلسطينية التى تطوع فى صفوفها شابًا منذ تأسيسها حتى وصل إلى مستوى قياداتها.
كان معهم رجل صوته منخفض دائمًا، وحديثه هادئ فى مواجهة أكثر الآراء حدة، هو الدكتور قدرى حفنى، أستاذ علم النفس الاجتماعى الذى درس وتخصص فى سمات الشخصية الإسرائيلية.
حديث يمتد حتى ساعات فجر القاهرة، وأنا أجلس، أراقب، أسمع الأخبار من القادمين وآراءهم فيما يدور.
تتكرر الجلسات المشابهة، ينضم لها أحيانًا الفريق يوسف صبرى أبو طالب، محافظ القاهرة فى حينه، وصاحب دور خاص فى إنشاء حائط الصواريخ الذى حمى أجواء مصر خلال الحرب، وهو، بعد ذلك بسنوات، وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة.
وينضم لجلسات أخرى الدكتور شريف بسيونى، عميد كلية الحقوق بجامعة دى بول فى شيكاغو، حاملًا أفكارًا يتداولونها على الجانب الآخر من العالم. البيت الأبيض يستعين بشريف بسيونى كواحد من الجسور غير الرسمية التى تصل بين مصر وواشنطن.
جلسات أخرى يحكى فيها عمى الراحل العظيم عبد الرحمن الأبنودى عن استقباله فى تونس عندما ألقى قصيدة «الموت على الأسفلت» فى رثاء صديقه ناجى العلى.
أتذكر يومًا هبت فيه أمى تختطف قطعة شوكولاتة من يدى، وتطيح بها من النافذة بكل ما فى ذراعها من قوة. أمسكت أمى بورقة الشوكولاتة بعد أن فتحتها، فوجدت عليها إشارة إلى أنها صُنعت فى إسرائيل.
مصر وفلسطين والاحتلال جزء أصيل فى يوميات بيتنا الذى بكت فيه الأم لافتقاد أخيها الشهيد كل يونيو وأكتوبر من كل عام، وقاده عقل الأب الذى تربى على فيضان الخمسينيات والستينيات. تعايش مع الهزيمة، ونشوة النصر، ثم صدمة العالم المتغير بعد كامب ديفيد.
كان ذلك بعد مشاهد توقيع اتفاقيات السلام فى البيت الأبيض أمامى فى نشرة الأخبار.
رأيت وجه أبى يكاد ينفجر بضغط عواطف المواطن، وتقدير الصحفى ومعلوماته.
ثم جاءت التسعينيات بصور مدريد وأوسلو، وانعقدت القمم السياسية والاقتصادية.
كان السلام وهمًا آسرًا، وبضاعة رائجة.
لم تكن المحاولة الأولى لدمج «إسرائيل» فى محيطها، سبقها ولحق بها محاولات متعددة.
تدفق الإنفاق المبالغ فيه من أجل ترويج «ثقافة السلام»، من أجل أن يخرج جيل جديد لم يرث «الصراع» ومراراته.
لقاءات وزيارات يتم تنظيمها، ورحلات تبادل ثقافى إلى واشنطن، وبرامج الصداقة فى لندن وباريس وعواصم أخرى.
رعاة دوليون بإمكانيات لا تنتهي، وسخاء لا ينقطع لتشتيت الأنظار عن احتلال قائم، وقتل يمارسه الحمائم والصقور فى حكومات إسرائيل المتعاقبة.
رغم السنوات والمحاولات، يذهب كل ذلك هباءً.
لم يتغير موقف المصريين من الأمس البعيد حتى اليوم.
حارب آباء وأجداد، وأعادوا أرضهم، وكادوا أن يخرجوا من المعادلة الإقليمية والدولية، لكن العدو بقى عدوًا.
شاب أو شابة جاء ميلادهما عام 2000م، أو بعد ذلك، ما زالا يصنفان إسرائيل فى خانة العدو.
لم يتعرض أى منهما لما تعرضت له أنا ضمن أبناء جيلى، أو سمعا ما سمعت من الجيل المحارب.
لم ينفصل المصريون عن محيطهم العربى تحت ضغط حملات إلكترونية تتحدث عن نقاء العنصر المصرى، أو أسئلة مزروعة عمدًا وعنادًا عما خسرناه بسبب القضية، وما كسبناه بعيدًا عنها.
رأى الشاب والشابة حملات التواصل الاجتماعى، وربما شارك هو أو هى فى برنامج صيفى فى دولة تستضيف مؤتمر «شباب البحر المتوسط»، لكن التصنيف بقى وصمد:
إسرائيل عدو.
ما زال الشاب المصرى، مثل أبيه وجده، ينضم للخدمة العسكرية ليجد عقيدة القتال فى صفوف القوات المسلحة ثابتة، تراقب العدو الكائن على الحدود الشمالية الشرقية.
بعد أكثر من نصف قرن على نهاية الحروب الكبرى، ما زال الإسرائيلى ينزعج ويخاف كلما رأى حشدًا مصريًا، ولو كان مشهدًا من فيلم سينمائى، أو أغنية وطنية قديمة يردد كلماتها شاب صغير، لم يعرف الأغنية إلا عن طريق الإنترنت.
لم يعاصر أى من أبنائى ما عاصرت، جاء جيلهم وجيل آخر سبقهم، وآخر بعده إلى العالم فى أعلى موجات السلام وثقافته. عرفوا الغرب، استمتعوا بكل ما يقدم، وطَمَحُوا لكل ما يمثل، لكنهم لم ينشغلوا أبدًا عن الحقيقة الوحيدة التى لم تتغير:
مر على الحرب من الأعوام ثلاثة وخمسون، ومر على السلام من الأعوام ثمانية وأربعون، وما زالت الحقيقة العابرة للزمن والظروف لا تتوه أو تخفت:
«العدو الإسرائيلى».
وعلى رأى الأبنودى العظيم مرة أخرى ليست أخيرة:
«اللى موافق ينبسط، واللى معارض... يتفرس».

التعليقات