يقول بروفيسور علم النفس الروسى سيرجى سافيلييف، إن هناك ثلاثة مستويات من الوعى لدى البشر، الأولى والثانوى والثالثى، والأخير هو من يتمتع بالوعى، ويمتلك القدر الأكبر من حرية الإرادة، ولديه تفكير نقدى جيد، وغالبًا لا يحتاج إلى الترهيب والترغيب، ولا إلى التحفيز بالثواب والتهديد بالعقاب، لكن نسبة هؤلاء من البشر لا تزيد على 15%، والباقون بحاجة حتمًا للقوانين الدينية والدنيوية لكبح ما بداخلهم من شيطنة.
فالوعى الثالثى هو التفكير الاختيارى الحر، الذى يتيح للمرء اتخاذ موقف واع من كل ما يجرى له ومن حوله، كونه متطورًا عقليًا بدرجة كافية، وليس بحاجة إلى رادع، ولا إلى أى قوانين اجتماعية، فهو بطبيعته لن يؤذى أو يظلم أحدًا، نتيجة لتعقله وانضباطه الداخلى والتزامه بكل القواعد الاجتماعية، لأن حياته ستختل، إن لم يفعل ذلك. لذا تصر أغلبية الأنظمة السياسية على وجود رادع خفى للجماهير، بخلاف ما هو موجود أمامهم.
أما أصحاب الوعى الثانوى، فيتصفون عامة بقدر أدنى من فهم الحدود فى المجتمع. ومع ذلك يتيح لهم ذلك العيش بشكل طبيعى، بحيث لا تلاحقهم الشرطة، ولا تحاسبهم، ويمكن تكليفهم بمختلف المهام، وسوف ينجزونها، لكنهم ليسوا فائقى الموهبة والإبداع.
أما الذين يتمتعون بوعى أولى، فهؤلاء يعيشون بشكل بسيط، تقودهم الغرائز، ومسيّرون بيولوجيًا، ولا يتميّزون بعمق تحليلى، وليسوا ميالين إلى المعرفة والاطلاع المستمر والنقد الذاتى، ومع ذلك لا يمكن وصفهم بالسيئين، بل هذه طبيعتهم، وحسب.
فمن لا يمتلك أذنًا موسيقية لن يصبح شبيهًا بموزارت. وبالتالى فإن المؤشر على درجة وعى المجتمع ليس نوع نظامه، ولا عدد دور العبادة وأعداد المؤمنين، بل مدى حاجة هذا المجتمع واقعيًا إلى مؤسسات الردع وعناصر الأمن والداخلية وما إلى ذلك، فكلما قلّت حاجته إليها، كان ذلك دليلًا على تقدّم وعيه.
يولد الشخص وينشأ مع ما يقنعه به الآخرون، أى ما العقيدة الصحيحة، والأكل الطيب، والملابس المقبولة، فهو فى صغره لا يملك إمكانية الاختيار، ومع الوقت يكبر ويكبر معه دماغه، وتصبح لدى «البعض» القدرة على إجراء المقارنات.
لذا، نجد لدى ذوى الوعى الأولى من الرجال ميلًا إلى المقارنة بين من اشترى وماذا اشترى ومن تزوّج ومن هو الأكثر مالًا.
أما بالنسبة للمرأة، فإنها تقارن أى نوع من الرجال عند هذه المرأة أو تلك من النساء، وإذا تبيّن أن المقارنة ليست لمصلحة الشخص، الذى يقوم بالمقارنة، فستنعكس هذه على مشاعره الداخلية. فمثلًا هناك شخص يعمل طوال حياته بنزاهة، ومع ذلك لا يستطيع أن يعيش كما يعيش ذلك الثرى، فينشأ لديه تنافر معرفى، ويرغب فى مصادرة كل شىء وتوزيعه على الآخرين، وفق المفهوم الشيوعى أو الاشتراكى.
أما بالنسبة للشخص ذى التفكير الاختيارى الحر، فكل ما سبق لا يعنى له شيئًا، ولا يكترث بمن يمتلك حذاءً باهظ الثمن، فهو ببساطة يلبس المريح، ولو كان رخيصًا، وهذا ما نلاحظة على ملابس أصحاب المليارات من الأمريكيين.
أما بالنسبة للشخص، الذى لا يتصف بتفكير اختيارى حر، أى صاحب الوعى الأولى، فإن المعيار الوحيد للمقارنة هو القيمة المادية، وكل شىء لديه يتركّز حول الطعام والتكاثر والهيمنة، ونظام التفاعل البدائى.
لذا يكرّر البروفيسور القول بأن أى نظام يظهر تفاوتًا بين المعلن والظاهر، بين الفعل والقول، أو النظرية والتطبيق، سيحفّز فى الدماغ الجهاز الحوفى، عندئذ يستسلم الشخص للضغط الهرمونى المتحكّم بالسلوك، وهذا معقد جدًا، فالتحكّم بمثل هذا الضغط الهرمونى ممكن بشكل ما عند الشخص ذى التفكير الاختيارى الحر، أى ذى الوعى الثالثى، أما عند مستوى الوعى الأولى فلا يمكن ذلك بأى شكل من الأشكال، وعندها قد يحدث الانفجار.
لهذا السبب تحديدًا كان أصحاب التفكير الأولى وقود أى ثورة من الثورات، بينما نجد أن من يصل إلى الحكم هم أصحاب الوعى الثالثى.
أحمد الصراف
جريدة القبس الكويتية