يرى المحلل الأمريكي إليوت أبرامز أن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إنهاء المواجهة مع إيران سريعا، من أجل ضمان تدفق النفط وانخفاض أسعاره، قد تركته بلا موقف تفاوضي حقيقي. وقد شجع هذا الوضع إيران على المطالبة باتفاق يسمح لها باستغلال مضيق هرمز ماديا وإعادة تأكيد هيمنتها التي ناضلت المنطقة من أجل التخلص منها على مدى عامين.
وفي تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي قال أبرامز، وهو خبير وزميل أول في دراسات الشرق الأوسط بالمجلس وشغل منصب نائب مساعد الرئيس ونائب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، وتولى لاحقا منصب الممثل الخاص لشؤون إيران وفنزويلا خلال ولاية ترامب الأولى، إن هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر 2023 كان تتويجا لسنوات من الجهود الإيرانية لتطويق إسرائيل بوكلاء طهران. فقد سيطرت حماس على غزة وحزب الله على لبنان، وسيطرت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران على العراق، وعمل النظام الإيراني بتعاون وثيق مع الحوثيين في اليمن ونظام بشار الأسد في سوريا لتطويق إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، فككت إسرائيل ما يسمى بـ"حلقة النار" هذه.
وأشار أبرامز إلى أن حماس أصبحت ضعيفة للغاية، وسيطرت إسرائيل على نصف غزة. في الوقت نفسه، يعاني حزب الله من تراجع شديد لدرجة أن الحكومة اللبنانية والقوات المسلحة اللبنانية أصبحتا تفكران في تحديه. وسقط نظام الأسد وسط هذه الفوضى الإقليمية، وفي العراق، تضغط الحكومة على الميليشيات الشيعية للسيطرة عليها. لكن ضعف إيران داخلي أيضا: فقد اندلعت انتفاضة كبيرة في وقت سابق من هذا العام، ولم يتم قمعها إلا بقتل عشرات الآلاف من المتظاهرين المدنيين العزل، وتشير كل الدلائل إلى أن الغالبية العظمى من الإيرانيين يكرهون نظام الحكم الديني الوحشي والقمعي الذي يحكم بلادهم.
ويرى أبرامز أن السؤال الذي يواجه إدارة ترامب الآن هو ما إذا كان ينبغي عليها البناء على هذه التغييرات من خلال إضعاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشكل أكبر، أم تقدم تسوية سريعة تنقذ النظام؟
وأشار إلى أنه بينما يدعى الرئيس ترامب أنه مفاوض بارع، أضعفت رغبته الواضحة في التوصل إلى اتفاق موقفه. إن إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد الإيراني من خلال استمرار الحصار الأمريكي لصادرات النفط الإيرانية أمر ممكن، لكنه قد لا يحقق النتائج المرجوة منه قبل انتخابات الكونجرس الأمريكي في نوفمبر. وفي مواجهة مشكلة مماثلة عام 2006، تجاهل الرئيس جورج دبليو بوش الاعتبارات السياسية ومضى قدما في زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق. ويبدو أن ترامب غير راغب في تغليب الأمن القومي على السياسة.
لكن الرئيس لا يملك أي ورقة ضغط في المفاوضات إن لم يستخدم المزيد من القوة العسكرية. إنه يريد إنهاء المواجهة مع إيران لكي يعود تدفق النفط سريعا وتنخفض أسعاره بسرعة، وهذا التعجل يضعه في موقف مشابه لصاحب مبنى يحتاج إلى سيولة نقدية بصورة عاجلة ولا يستطيع الانتظار حتى يحصل على سعر أفضل.
واعتبر أبرامز أن السعر الذي تطلبه إيران سيغير الشرق الأوسط، ويجعل أي تحد مستقبلي لهيمنتها الإقليمية أكثر صعوبة، حيث سينجو النظام الإيراني ماليا إذا تمكن من استغلال مضيق هرمز اقتصاديا وتصدير نفطه بحرية. إن حقيقة أن إيران واجهت الولايات المتحدة وانتصرت - وإذا سيطرت إيران على مضيق هرمز، فستعتبر هي المنتصرة – تزيد قوة النظام وتمكنه من فرض جزية على دول الخليج العربية الغنية بالنفط. وسيلجأ منتجو النفط الخليجيون، الذين يعتمدون في أمنهم على الولايات المتحدة، إلى إبرام اتفاقيات مع إيران والبحث عن حلفاء آخرين، كما رأينا مؤخرا في معاهدة الدفاع الجديدة التي وقعتها السعودية مع باكستان وتركيا.
وقال أبرامز إن هذا يثير التساؤل حول إمكانية اعتماد حلفاء الخليج على الولايات المتحدة في المستقبل. وفي مناقشات حول مضيق هرمز، لم يكن هناك اهتمام كبير بدور الأسطول الخامس الأمريكي، المعروف أيضا باسم قيادة القوات البحرية المركزية الأمريكية، والذي يتخذ من البحرين مقرا له. وقد تعرض هذا الأسطول التابع للقيادة المركزية الأمريكية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة من إيران طوال العام، وتكبد أضرارا جسيمة. وفي حين أنه قد يكون من الحكمة أن تنتقل قيادة القوات البحرية المركزية الأمريكية (ومقر القيادة المركزية الأمريكية في قطر) إلى موقع أبعد عن إيران، فإن هذا يختلف عن تسليم الخليج للسيطرة الإيرانية. إن هذه الخطوة ستحول الخليج سريعا إلى بحيرة إيرانية، ولن تتمكن الولايات المتحدة وسفنها الحربية من دخوله. ومثل هذه الخطوة تعني، في الواقع، التخلي عن حلفاء الولايات المتحدة مثل البحرين والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وتركهم تحت رحمة الحرس الثوري الإيراني.
ويرى أبرامز أنه حتى الآن، يبدو أن إدارة ترامب عاجزة عن اتخاذ قرار. ومن الواضح أن الرئيس لا يرغب في المزيد من جولات القتال العنيف، ويريد اتفاقا، حتى لو كان سيئا. وقد كانت مذكرة التفاهم التي تم التفاوض عليها في يونيو سيئة للغاية بالفعل، حيث لم تنص بوضوح على أن مضيق هرمز ممر مائي دولي مفتوح لجميع الدول دون رسوم، كما أنها أضفت الطابع الشرعي على تدخلات إيران في الشؤون الداخلية للبنان (وهو ما تم ذكره خمس مرات في الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم).
وقد احتوت مذكرة التفاهم على عدة بنود غير مقبولة كان من المفترض أن تثير رفضا قاطعا من إدارة ترامب، لكن ردود فعل الإدارة أو الرئيس لم تتسم بأي قدر من الثبات. فقد شملت هذه الردود تهديدات بالدمار الشامل (بلغة بذيئة وفظة) تلتها حالة من عدم التحرك، ثم المزيد من التهديدات، ثم المزيد من التقاعس. ومن المستحيل على الأمريكيين أو حلفاء الولايات المتحدة تحديد ما هو الهدف النهائي الذي يريده ترامب، أو حتى ما إذا كان هناك هدف نهائي أصلا.
واعتبر أبرامز أن هذا يعد وضعا مأساويا لإدارة بدأت التصدي للتهديد الإيراني منذ يونيو 2025 بعملية "مطرقة منتصف الليل"، ثم شنت ضربات أخرى هذا العام لتدمير برنامج إيران النووي وإضعاف سيطرتها على مضيق هرمز. وقد تآكل موقع القوة الذي كانت تتمتع به الولايات المتحدة قبل عام، وحتى مع بداية هذا العام، ولم يعد هو الوضع الراهن. ولم يؤد هذا إلا إلى السماح لطهران بأن تصبح أكثر جرأة في المفاوضات. وتسعى إيران الآن إلى فرض شروط إضافية، مثل التعويضات الأمريكية، وهي شروط غير قابلة للتطبيق.
وإلى جانب المفاوضات المحتملة بشأن أوكرانيا، تعد المفاوضات مع إيران أخطر اختبار للسياسة الخارجية تواجهه إدارة ترامب حاليا. في النهاية، سيكون من المستحيل إخفاء الحقائق بعبارات مبهمة: إما أن تسيطر إيران على مضيق هرمز أو لا تسيطر عليه. إذا سيطرت عليه، ستكون إيران قد أجبرت الولايات المتحدة فعليا على الخروج من الخليج ، مما سيكون له أثر بالغ على جميع دول الخليج والشرق الأوسط بأكمله.
واختتم أبرامز تحليله بالقول إن هذه النتيجة ستؤدي حتما إلى تقويض التزامات الولايات المتحدة في آسيا وأوروبا أيضا، حيث ستوحي بأن الولايات المتحدة- على الأقل طالما ظلت إدارة ترامب في السلطة حتى يناير 2029 - تنظر إلى الالتزامات على أنها مؤقتة، وأنها تعتبر المفاوضات استراتيجية للخروج من مأزقها وليست وسيلة لحماية مصالحها. هذا ليس فن إبرام الصفقات، بل هو استخدام التفاوض لإخفاء الهزيمة.