• طبيب نفسي: أوصلتنا إلى مرحلة من التبلد النفسي إذا استمرت ستؤدي إلى موت المشاعر لدى المجتمع المصري
• أستاذ علم اجتماع: عبقرية الشخصية المصرية التي تتعامل مع كل المواقف الصعبة بسخرية تستطيع من خلالها استيعاب بشاعة الموقف
واجه المجتمع المصري عدة أزمات خلال الفترة الماضية، سواء كانت النقاش حول سد النهضة، أو جرائم قتل الأزواج المتعددة، أو أي شيء آخر، فالمصريون دائما مستعدون لإطلاق النكات وتصميم الكوميكس التي تتناسب مع أي موقف بعد حدوثه بساعات قليلة، فلماذا يلجأ المصريون دائما إلى الكوميكس كرد فعل على كل شيء يحدث في مجتمعنا المصري أو في العالم بأسره؟
أكد الاستشاري النفسي، دكتور محمد هاني، أن الشعب المصري يتميز بخفة الظل، فالضحك والفرفشة هي وسيلته للتخلص من الضغوط النفسية لأي مشكلة، ولأن هذه الصفات متأصلة في شخصيته، انتقلت معه من الواقع الحقيقي إلى العالم الافتراضي، حيث ابتكر المصريون العديد من الكوميكس المضحكة على جميع مواقع التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن الشعب المصري يميل إلى السخرية من المشكلات الكبرى لسببين، إما للهروب من الطاقة السلبية المحيطة به، أو الهروب من التفكير في صعوبة وقسوة المشكلة وتبعاتها، فعلى سبيل المثال، شارك الأزواج مع زوجاتهم بعض الكوميكس الساخرة عن قتل الزوجات؛ وذلك ظنا منهم أن الضحك سيخفف من حدة هذه الأزمة الكبرى.
وتابع: "السخرية الدائمة من الأزمات ستتسبب للأسف في حدوث التبلد النفسي، فأصبحنا لا نتأثر بحدوث أي شيء، لذلك لا نتوقف عند المشكلات الكارثية كثيرا ولا تؤثر فينا، لأننا نضحك عليها، وأصبحت بالنسبة لنا (عادي)، فنحن وصلنا إلى مرحلة من التبلد النفسي من الممكن إذا استمرت على هذا النحو أن تؤدي إلى موت المشاعر لدى المجتمع المصري".
وأوضح أن هذا التبلد سيكون له عواقب كبيرة ستؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية، التي بدأت في التفكك حاليا بالفعل، مؤكدا أن فقدان الأشخاص وقطع العلاقات معهم أصبح شيئا عاديا مثل أي شيء آخر، فمواقع التواصل الاجتماعي جعلت جميع العلاقات الاجتماعية تنتهي بـ"بلوك".
واستطرد: "تأثير هذا التبلد النفسي يظهر أيضا في مشاعرنا تجاه القضايا الكبرى، فعلى سبيل المثال، كنا قديما نتأثر عندما نقرأ تفاصيل جريمة قتل، ونشعر بالانزعاج، لكن حاليا نضحك ونؤلف النكات عليها دون أي تأثر".
وأكد أن علاج التبلد النفسي الذي وصلنا إليه هو حجب مواقع التواصل الاجتماعي، لأن ضررها أكثر من فوائدها، فبجانب أنها ساعدت على نشر السخرية من كل شيء، هي أيضا جعلت عند المصريين حالة من التبلد بسبب نشر فكرة التريند، فأصبح الشخص يرى أخبارا متتالية عن القتل، فكما نشاهد كل أسبوع تريند قتل جديد، سواء قتل الأبناء لآبائهم، أو الزوجات لأزواجهم أو العكس، حتى أن البعض يزيف الأخبار حتى يشترك في التريند، وكل ذلك ينتج عنه ضغط نفسي كبير، يهرب منه مستخدم التواصل الاجتماعي عن طريق الكوميكس، فيصاب بتبلد المشاعر، وهي حلقة مفرغة، ستنكسر فقط بحجب هذه المواقع.
على العكس تماما، ترى دكتورة هالة يسري أستاذ علم الاجتماع، أن السخرية خلال الأزمات والمصائب هي من عبقرية الشخصية المصرية التي تتعامل مع كل المواقف الصعبة بسخرية تستطيع من خلالها استيعاب بشاعة الموقف، كما أن المصري يستخدمها أيضا لأنها تعمل على حمايته من المستقبل المجهول الذي يلي تلك المواقف الصعبة.
وأضافت: "السخرية من أنواع هضم الأحداث الصعبة بالنسبة للمصريين، فهم يستخلصون عبر الكوميكس أسباب الأزمة، ويعرضون كيف تطورت، كما يحللون الأحداث لعدم تكرار هذه الأزمات مرة أخرى، وكل ذلك من خلال بعض الكوميكس البسيطة، مما يدل على سمات الشخصية المصرية العبقرية".
ونفت دكتورة هالة استخدام المصريين للكوميكس بهدف الضحك فقط، فهو متعدد الأبعاد، حيث يشرح للناس الأسباب الحقيقية وراء الأزمة؛ لكي يبتعدوا عنها، وذلك في صورة لا تأخذ شكل النصيحة، ولكن بشكل كوميدي يخفف من وطأة الحدث، ويجعل الموضوع أسهل لتقبل الناس للنصيحة.
وأكدت أنه لا يوجد خطر على الإطلاق من استخدام المصريين للكوميكس للتعليق على الأزمات الكبرى، فعلى سبيل المثال، وفقا للجرائم التي شهدها المجتمع المصري مؤخرا، قام المصريون بالتركيز على نقاط معينة في الكوميكس مثل "ماتنرفزش مراتك، ماتستفزهاش"، مشيرة إلى أن هذه الكوميكس ستساعد بشكل غير مباشر على توقف الرجال عن فعل هذه السلوكيات، وعدم الضغط على السيدات، فلا يوجد تأثير سيء لاستخدام المصريين للكوميكس للتهوين على أنفسهم من خطورة المواقف وضبابية المستقبل، لكنه على العكس شيء إيجابي.