الخميس 25 مايو 2017 4:33 م القاهرة القاهرة 31.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق إلى 2 جنيه؟

ثمن الظهور فى القنوات المارقة

نشر فى : الثلاثاء 10 يناير 2017 - 9:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 10 يناير 2017 - 9:25 م

«كبرت، ولم يعد من حق أحد أن يقرر لى ما أقرأ، لا أبى ولا شيخ الجامع، ولا السيدة المحترمة مديرة الرقابة».


كنت أقرأ المقال على صفحة كاملة ودموعى تسح من الضحك، فقد انتقم لى الكاتب من كل الرقباء، وأولهم والدى حفظه الله، السهران ساعتها فى الغرفة المجاورة.


كان المقال للراحل الكبير صلاح حافظ بصحيفة أخبار اليوم، تتصدره صورة كاريكاتيرية له، يقرأ مختبئا تحت السرير. مناسبة المقال كانت تفعيل مديرة الرقابة، نعيمة حمدى وقتها، لقانون فحص الكتب والشرائط فى المطار، ما يعنى، وفقا للأستاذ صلاح، مصادرة الكتب التى اشتراها المواطن فى سفره لتفحصها الرقابة، ثم إعادتها إذا «طلعت سليمة». ومثلما هرب الرجل من والديه ومدرسيه وإمام مسجده. هرب من الدولة كلها وقرأ ما شاء فى العتمة والحمام وبير السلم.


من وقتها تسير الدولة على خطى الرقيبة الحديدية فى السبعينيات، ومع تعاقب الديكتاتوريات البائسة حتى العصر الجديد الذى نعيشه منذ سنوات، تغير كل شىء إلا الرغبة الجامحة فى الوصاية. ما زالت السلطة مؤمنة بأن الشعب «عذراء قاصر فى خدرها»، يجب على الحكومة أن تطعمها المعلومات بالملعقة على قد الفهم والشوف. ولم تعد الرقابة على المصنفات تكفى لحماية صورة الدولة، فحل محلها آلة جهنمية معقدة، تجمع الإعلام والقانون والتشريع والفوتوشوب فى «شَرْبة» واحدة.


يلتهم المواطن أطباق التوك شو الموحدة منزوعة الدسم، أطباقا مسمومة بأكاذيب فاضحة، وتسريبات تصم عصرنا بالعار وانتهاك الحرمات مجانا، والسطو الرخيص على خصوصيات الناس.


ومن يهرب من «قنوات الحبايب» إلى قناة مارقة، ويشاهد البرادعى مثلا، يحتاج إلى تصحيح فورى. تتحرك جحافل الإعلام والسياسة والقانون فى الدولة المهيبة لتسحب من البرادعى جنسيته، وأهليته، ومعاشه، وتصمه بالخيانة وتسليم العراق زمان، والتحريض على مصر الآن، وبالعمالة للإخوان دائما. الإخوان الذى يضعون البرادعى حتى الآن فى زمرة آل يوليو من مصاصى الدماء.


وماذا لو لم يكتف المواطن بوجبات التوك شو الفاسدة، وتجول بين بساتين فيسبوك وتويتر، حتى يعرف أكثر؟. بعض الجهات فى الألفية الثالثة تتوهم إمكانية السيطرة على الشبكة العنكبوتية، وتمنع أخبارها هناك، لكن من ستلاحق؟ الإعلام بحمد الله تعالى كان أمانة فى أيدى من لا يستحق، وهم الصحفيون، فأعاده الله لعامة الناس من شعوب الفيسبوك وتويتر ويوتيوب، والمجد للمجهولين.


كل ما نلهث فيه متخلفين عن الكوكب بنصف قرن، من قوانين تنظيم الإعلام وقرارات حظر النشر فى القضايا أو عن فئة ما من المجتمع، محض أباطيل، وآثار قد تنفعنا لدى عودة السياح.
وكل ما نسعى لإصداره من قرارات الحرمان من الجنسية المقدسة فى البرلمان والقضاء، وثائق فكاهية مصيرها متاحف من نوع دنشواى وريا وسكينة، لتشهد بأن أهل مصر الآن يتخلون عن فضائل الحكمة، ويستجيبون لغواية قتل الذات، وتفخيخ المستقبل بالديناميت.


من الذكاء أن تتوقف الوصاية الحكومية الساذجة على العيون والعقول فى عصر ما بعد الإنترنت. لم يليق بأية جهة محترمة فى هذا البلد أن «تبهدل» نفسها وراء الشعب، وتزاحمه فيما يجب أن يقرأ ويكتب ويأكل، فالإنترنت يسخر من كل أنواع الاستبداد الرخيصة، القائمة على عصا الملاحقات والحبس.


«من طالت عصاه قلت هيبته»، كما قال المثل المحفور على جدران الكهوف السحيقة للإنسانية، حتى لو كان عصا أبى أو شيخ الجامع، أو السيدة الحديدية مديرة الرقابة على المصنفات.

محمد موسى  صحفي مصري