الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 5:48 ص القاهرة القاهرة 17.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

فى العلاقة بين المخ والجسد

نشر فى : الثلاثاء 12 يناير 2010 - 9:54 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 12 يناير 2010 - 9:54 ص

 عمر الفاروق عبدالمطلب، شاب وسيم وجذاب ومتعلم تعليما راقيا وعاليا، ومن عائلة ميسورة الحال، يرتدى ملابس داخلية خيطت فى ثناياها مواد قابلة للانفجار ويركب طائرة متوجهة إلى أمريكا ليفجر نفسه والطائرة وثلاثمائة من الركاب. متى اقتنع بأن يفعل ما انتوى أن يفعله ومن أقنعه وكيف؟.. أسئلة يشتغل عليها ليلا ونهارا بحثا عن إجابات مئات من خبراء الاستخبارات وعلماء النفس والاجتماع، حتى الدارسون لعوالم الشعوذة والخرافات والسحر والروحانيات استدعوهم عسى أن تكون لديهم إجابات مقنعة.

****

فى الصيف الماضى، نشرت إيلين لانجر عالمة النفس بجامعة هارفارد الأمريكية خبرا على مدونتها يكشف عن أن أصدقاء للأستاذة لانجر زاروا الهند مؤخرا، والتقوا خلال الزيارة زعيما روحانيا هنديا طلبوا منه بعد اللقاء أن تؤخذ لهم معه صورة فوتوغرافية. وبعد تردد وافق ووقف فى الوسط والتقطت لهم الصورة. وعندما أمسكوا بالصورة لاحظوا أن الزعيم الروحانى صاحب الشعر الكثيف واللحية الرثة والعينين الزائغتين لم يظهر فى الصورة. وجدوا فى مكانه فراغا. طلبوا التقاط صورة أخرى وتكررت الملاحظة. لم يظهر فى الصورة الثانية كما لم يظهر فى الأولى.

علقت الأستاذة لانجر على الواقعة بقولها إن الرجل الهندى لاشك يتمتع بصفاء روحانى سمح للضوء الصادر عن آلة التصوير بأن يمر من خلال جسده، فلم يتوقف عنده وبالتالى لم ينعكس.

أثار نشر القصة فى مدونة لانجر غضب مجتمع العقلانيين من علماء النفس وغيرهم. أنا شخصيا لم أغضب. كيف أغضب، وقد علمتنى تجربتى فى الهند وأنا شاب صغير أن أتعامل مع قضايا وقصص من هذا النوع بعقل متفتح وخيال بلا حدود. ولم يختلف رد فعل لانجر عن رد فعلى، إذ اقترحت على الغاضبين أن «نترك عقولنا مفتوحة دائما لاستقبال ظواهر جديدة». وانتهزت الفرصة لتواصل التبشير برسالتها فقالت «لقد تعلمت خلال مسيرتى الطويلة أن أرد على كل من يقول لا بالسؤال لماذا لا؟».

****

كان هدف الكثيرين، ومازال هدفا من أهدافى التى لم تتحقق بعد، فهم العلاقة بين المخ والجسد. ما نفعله كثيرا هو أننا نستسلم لقواعد ومسلمات لتتحكم فى عواطفنا وتصرفاتنا، نرفض وربما نخشى مناقشتها. كانت نتيجة هذا الرفض والخوف أن بعضنا يفعل ما يفعله بدون تفكير، أى بدون تحكيم العقل، بينما لو قام كل منا بإعادة أو تعميق النظر فى كل مسلماته وقواعده الموروثة وفى كل شىء يعتقد أنه يعرفه جدا، سنكون جميعا أقوى فاعلية وأكثر إبداعا وأوفر صحة. وبالفعل أجرى علماء نفس عديدون تجارب تأكدوا بفضلها من فرضية أن أحوال الناس تتحسن عندما تتغير مسلمات اعتنقوها وقواعد ساروا عليها. بمعنى آخر يكون الناس أفضل حالا عندما ينفضون عن أنفسهم بين الحين والآخر أستار الاستقرار. وربما انطبق أيضا هذا المعنى على الدول والأمم ولعلنا فى مصر أحوج الأمم إليه. تأكد علماء النفس مثلا بعد تجربة أجريت على مجموعة من المتقدمين فى السن المقيمين فى دار للمسنين، أن حاسة السمع لديهم تحسنت واستعاد بعضهم الذاكرة وزاد وزنهم واشتدت قبضة أيديهم، عندما تقرر السماح لهم بحرية الاختيار بين أن يتناولوا وجباتهم جماعة فى صالة الطعام أم فرادى فى غرف نومهم.

وفى تجربة أخرى، أخذوا مجموعة من كبار السن إلى منتجع منعزل حيث انقسمت المجموعة إلى فريقين. فريق طلب منه الباحثون أن يعيش ويفكر خلال أسبوع تماما كما كان يعيش ويفكر فى عام 1959، أى منذ خمسين عاما. كان على هذا الفريق أن يتحدث أفراده بالفعل المضارع ويخدموا أنفسهم بأنفسهم، يغسلون الصحون التى يأكلون فيها، ويرتدون ملابسهم بأنفسهم وبدون مساعدة.. كل هذا بينما الراديو يذيع أغانى نات كينج كول وروز مارى كلونى وغيرها من روائع الخمسينيات وازدانت القاعات بصور وفرشت بمفروشات تلك الحقبة. أما الفريق الثانى فقد طلب منه الباحثون أن يعيش فى أجواء عام 1959 ولكن يفكر بتجارب وعقل عام 2009، بمعنى أن يناقشها ويتحدث عنها كأحداث وقعت فى الماضى. وفى نهاية الأسبوع جاءت النتائج مذهلة، إذ خرج أفراد الفريق الأول بصحة أفضل ومفاصل أقوى وتفوق فى اختبارات الذكاء، وقورنت الصور الفوتوغرافية التى أخذت لهم بعد التجربة بصور التقطت قبل بدء التجربة فظهروا جميعا أصغر سنا وأبهى طلعة.

****

خلصت دراسات عديدة إلى أن الناس الذين يشعرون بالملل خلال ساعات العمل هم الذين يصرون على أن تبقى قواعد العمل أو ظروفه ثابتة لا تتغير. هؤلاء لا يناقشون ولا يسألون، يتلقون التوجيهات ولا يسعون إلى فهم مبرراتها وضروراتها. هؤلاء لا يعملون بنصيحة إيلين لانجر، إذا جاءت إجابة رئيسك بلا، «إسأله لماذا لا؟».. أغلبهم يفضل الاستقرار، ولكنهم لا يدركون معنى وخطورة إصرار بعض رؤساء العمل على فرض الاستقرار فى بيئة متغيرة.

التغيير مهم جدا، للشخص ولصورته لدى الآخرين. خذ مثلا الآنسة أو السيدة التى تذهب إلى «المزين» ليصبغ لها شعرها، وقبل أن تخرج من دكانه تقوم بإخفائه عن عيون الناس، فتغطيه بغطاء محكم لا تنفذ عبره إلى الشعر نظرة.. ومع ذلك ثبت أن صاحبة الشعر المصبوغ والمرتب بعناية وذوق تشعر أنها أصغر سنا حتى لو لم يظهر الشعر الجميل لغير صاحبته، وأجريت تحاليل أكدت أن اللاتى يعانين من ارتفاع فى ضغط الدم تتحسن حالتهم فى أعقاب تصفيف شعرهن أو تغيير لونه.

****

دأب علماء عديدون على الفصل بين العقل والجسد ضمن اعتناقهم عقيدة «شبه ديكارتية». فى الوقت نفسه تمرد آخرون على هذه المدرسة ومنهم على سبيل المثال انطونيو داماسيو الذى ذهب فى كتابه «خطأ ديكارت» إلى حد الدفاع عن فكرة تعترف أن الروح والضمير كليهما من صنع الجسد، أو على الأقل من أجزائه. وانشغلت الأستاذة لانجر بالتبشير بفكرة أن الإنسان يستطيع باستخدام «المخ» وحده خلق أشياء مادية أو تغييرها والتأثير فيها، ومن بعدها ذهب أطباء إلى القول أن فرص المريض للشفاء تزداد لو أن الطبيب استخدم الإقناع أكثر مما يستخدم التحاليل المعملية، خصوصا بعد أن تعددت التجارب التى تثبت أن نتائج التحليل المعملى تؤدى أحيانا إلى تعميق الذهنية المرضية لدى المريض وأقربائه أكثر مما تؤدى إلى تجديد الأمل فى الشفاء والتخلص من المرض. المهم لدى أصحاب هذا التوجه هو ألا يحل التحليل المعملى محل دور استخدام عقل المريض كطريق للشفاء.

****

يعود تاريخ عمليات «غسل المخ» التى تقوم بها أجهزة الاستخبارات وجماعات وجمعيات سرية إلى مئات السنين، وتكتظ سجلات التاريخ الدينى فى أوروبا بسير جمعيات سرية استخدمت غسل المخ فى تجنيد الدعاة والمبشرين والجواسيس، كذلك تزخر سجلات أخرى فى الشرق الأوسط وآسيا بقصص وفيرة. وفى واقع الحال أكثرنا يستخدمه دون أن يدرى، يستخدمه بعضنا بفجاجة وأحيانا بذكاء وتعمد وعن معرفة بأصوله، ومع ذلك نرفض الاعتراف باستخدامه. نستخدمه كآباء وأمهات مع الأطفال ويستخدمه الصغار مع الكبار، والموظفون مع رؤسائهم والرؤساء مع مرءوسيهم. لدينا دلائل على أن الحرب المصرية الجزائرية الأخيرة جاءت نتيجه ناجحة لعمليات غسل المخ لشعبين كريمين وطيبين، ولدينا أيضا دلائل إلى أن عمليات من هذا القبيل جرت فى اليمن استخدمها أحد الشيوخ مع عمر الفاروق عبدالمطلب وربما مع كثيرين قبله أو معه.

****

خبر سعيد للمهتمين بأمر العلاقة بين الجسد والمخ. الممثلة جينيفر أنيستون التى حازت على إعجاب ملايين المشاهدين بدورها المتميز فى مسلسل «أصدقاء» الأمريكى، قررت أن تنتج فيلما سينمائيا يعرض فى الصيف القادم مستخدمة أحد كتب الأستاذة إيلين لانجر وأن تلعب فيه الدور الرئيسى. تقول أنيستون إنها تأثرت بالسيدة لانجر ورأيها فى الدور الذى يقوم به مخ الإنسان للتأثير فى الجسد وممارساته وأدائه لوظائفه وعلاقاته بالأجساد والأشياء الأخرى. أنا شخصيا أتطلع لمشاهدة الفيلم.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.