الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 3:31 م القاهرة القاهرة 30.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع عودة رحلات الطيران الروسي إلى مطاري شرم الشيخ والغردقة قريباً؟

حُلم ميلاد عالم أخضر جديد خارج الوادى والدلتا

نشر فى : الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 10:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 10:25 م

نشرت شركة «تنمية الريف المصرى الجديد» إعلانات تدعو فيها مجموعات المنتفعين المستقبلين بأراضى «المُغرة وتوشكى» ضمن «المشروع القومى للاستصلاح وتنمية مليون ونصف فدان».. لاتخاذ الإجراءات اللازمة نحو سداد مقابل الانتفاع بهذه الأراضى واستكمال أوراقهم... إلخ.

إن طرح هذا الموضوع الهام يثير تساؤلات عديدة عن جدواه بسبب شحة المعلومات عن كيفية هندسته، ولأنه من المفترض مجازا أن هذا المشروع يقتحم بابا كان مُغلقا على مدى عمر مصر لانتشار أهلها فى فضائها الفسيح، وحتى لا يكون مَصيره مِثل مَصير محاولات مماثلة سابقة فى مديرية التحرير وتوشكى والصالحية والوادى الجديد، التى جاءت نتائجها مُكلفة ومتواضعة للغاية، بسبب فورة الحماس فى إقامتها وقلة العلم والخبرة فى إدارتها، وشُبهه وجود مصالح ضيقة لأطراف ارتبطت بها أو شاركت فى إقامتها.

لقد طُرح ذلك المشروع فى بدايته بهدف استصلاح أربعة ملايين فدان، ثم حدث لأسباب غير معروفة أن تقلصت المساحة إلى واحد ونصف مليون فدان، وهكذا فإن تقليص المساحة فجأه إلى الثلث يوُحى بعدم وضوح الرؤية أو الحرفية فى التناول، كما أن اختيار مناطق تنفيذ المشروع لم يُعلن عن مبرراتها وربما تكون أيضا قد جاءت عشوائية.

على أى الأحوال فإن هذه القضية شديدة الأهمية والحيوية لمستقبل مصر، تستحق أن يكون مُستهدفها طُموحات كُبرى تُعالج فى العمق مشاكل تتأصل باطراد فى المجتمع المصرى، دون أن يلوح فى الأفق أمل مواجهتها المواجهة الصحيحة، مثل بطالة عشرات الملايين من البشر والتكدس الاستيطانى العشوائى المتنامى فى الحضر والريف الذى يلتهم مساحات أراضٍ زراعية متزايدة، وتدنى نوعية الحياة للجماهير الغفيرة من البشر، إضافة إلى استفحال الفجوة الغذائية القائمة بين الإنتاج المحلى المحدود واستهلاك المجتمع المصرى المتزايد واعتمادنا فى تلبية أغلب احتياجاتنا على العالم الخارجى.

***

لقد انحصر استغلال الأرض والماء منذ القدم فى الزراعة وغيرها داخل نطاق الوادى والدلتا، حيث لم يكن هناك حاجة لاستخدامها خارج ذلك النطاق، إلا أنه بمرور الوقت ومع استمرار تكاثر البشر داخل الحيز الضيق للوادى، الذى جاء على حساب الأراضى الخصبة التى تُطمعنا، فإنه مع استمرار تلك الأوضاع وعدم توافر الاتزان الواجب فى العلاقة المكانية بين البشر والأرض، وعجز أولى الأمر عن حماية الأراضى الزراعية من تنامى الكتلة السكانية، تفاقم الأمر تدريجيا من حيث تناقص القدرة على إنتاج الغذاء وعدم توافر الحد الأدنى من جودة الحياة للغالبية العظمى من سكان مصر، يحدث كل ذلك بسبب ضيق الأفق والمحدودية فى تناول هذه القضية منذ عقود لمن بيدهم الأمر الذين أداروا ظهورهم للصحراء وهم مستمتعون برؤية تآكل الرقعة الخضراء، التى تكونت على مدى دهر كبير.

قد يكون الوقت قد تأخر فى مواجهة هذه القضية الكبرى، ولكن فى كل الأحوال علينا أن نحاول معالجتها لتدارك استمرار تدهور الأوضاع باتباع منهج جديد فى توطين تنمية عمرانية رشيدة خارج الوادى والدلتا، مَنهج لا يهدف إلى تجارة أراض وعقارات لتحقيق وفورات مالية للخزانة العامة كما تفعل وزارة الإسكان، وإنما يهدف إلى غرس أنوية عمرانية إنتاجية تُولد محدودة الحجم ثم تنمو بمرور الزمن فى متوالية عنقودية نموا صحيا متوازنا، أنشطتها الإنتاجية مُنتقاة من أهل خبرة، لتلبى احتياجات السوقين المحلية والخارجية، هذه الأنوية تُمثل القاعدة الاقتصادية لذلك العالم الجديد المستهدف نشره تدريجيا بحكمة وحرص على مدى الزمن فى الفضاء المصرى الفسيح خارج النطاق الضيق للوادى والدلتا، كما يتحتم بالتوازى تطبيق سياسة ترويج جاذبة لجموع الشباب المُعطل عن العمل والمكدس فى جميع أنحاء البلاد لتحفيز هجرتهم العكسية الطوعية، لخوض تجربة إحياء نوع جديد من التنمية النوعية، ذلك بعد تأهيلهم مهنيا واجتماعيا وتدريبهم على العمل الجماعى، فى إطار شراكة مجموعات عمل تُحقق طموحاتهم فى الحصول على فرص أفضل للحياة للنمو والازدهار، ولتنفيذ مشروعات تواكب العصر من تنمية زراعية وغيرها صغيرة ومتوسطة وحرفية تتكامل مع بعضها البعض، وعلى السلطات المعنية تزويد هذه المجموعات بأراض مشروعات التنمية دون مقابل، لكن تحت إشراف إدارى وفنى مُتخصص، كذلك تقديم الدعم المالى اللازم والمُرشَد لهذه المجموعات مع تولى إنشاء الحد الأدنى من المرافق والخدمات الحيوية لاستقراهم الآمن دون مبالغة أو إسراف، ولا يُعتبر هذا المنهج كرما مجانيا بلا عائد، بل إنه استثمار فى موقعه الصحيح فى البشر قبل كل شىء، لقد كان الاستثمار فى البشر هو سر نجاح تجارب نمور آسيا الشهيرة، وستعم الفائدة على الوطن بأجمعه بحسن توجيه الاستثمار إلى هذا الاتجاه.

لاشك فى أن تحقيق هذه الطموحات ستعترضها عقبات كثيرة بعضها كالجبال التى يتحتم تخطيها برؤية صحيحة وعلم وخبرة، أُم هذه العقبات هى توفير مصادر للمياه عصب حياة العالم الجديد المستهدف التى بدونها لن يمكن تحقيق الحلم.

***

هنا وعند استرجاعنا لتاريخ قضية المياه المتجذرة فى حياتنا واستخداماتها، سنجد أن شعب مصر العجوز تَعود منذ الأزل على تلقى عطاء نهر النيل الفياض من المياه التى كانت دوما مُتوافرة بغزارة دون بذل أى مجهود إنسانى للحصول عليها، إضافة إلى فائض كبير من المياه المُحملة بالطمى الخِصب يصب فى المتوسط شمال الدلتا، حيث كان فيضان النهر الموسمى يُلقى بحمولته من الطمى، وتَشكل من هذا الطمى حائط منيع ضد هجوم المالح حَمى الدلتا وبقية الساحل الشمالى من الغرق والملوحة على مدى الزمن، كما كان الطمى وما يحمله من عناصر غذائية يُشكل غذاءً كاملا لكائنات البحر المختلفة، مما جعله من أخصب المواقع فى الثروة السمكية، كل ذلك انتهى وأصبح ذكرى من ذكريات الزمن الجميل مع بناء السد العالى... ولكن لذلك حديث آخر.

من الطبيعى أن سهولة الحصول على المياه طوال عمر البلاد، عودت قاطنيها على الإسراف فى استخدامها وعلى عدم الاكتراث بترشيدها، إنه سلوك إنسانى اكتسبه المجتمع بفعل ظروف الحياة والبيئة فى مصر، كذلك بفضل كرم النهر العظيم الذى كان منبع الحياة فى وادى النيل.

يُشار هنا إلى أن عطاء النيل ليس هو المصدر الوحيد للمياه، فقد تكون على مدى سنوات وسنوات خزان أرضى من المياه على اتساع أراضى البلاد وعلى أعماق مختلفة من مصادر متعددة، أغلبها من تسرب مياه النيل ذاتها أو من مياه السيول والأمطار إلى جوف الأرض.

إلا أنه مازالت الآراء مختلفة حول حجم هذا الخزان وأعماقه ومدى انتشاره، هناك مورد هام أيضا من المياه وهو السيول الجامحة الموسمية التى تنهمر بغزارة شديدة على جبال البحر الأحمر وسيناء والصعيد وتضيع هباء فى مياه البحر، يُذكر هنا نموذج ناجح من نماذج الاستفادة من تخزين مياه السيول فى المغرب التى تعتمد على مياه الأمطار فقط فى استخداماتها، حيث قامت ببناء عشرات خزانات المياه فى الجبال لحجزها والاستفادة منها وجاءت الاستفادة عظيمة من حيث اتساع الرقعة الزراعية إلى ما يوازى حوالى 25 مليون فدان تُدار بطريقة علمية ما جعل المغرب يتمتع بفائض غذائى يتم تصديره إلى جانب منتجات أخرى إلى العالم الآخر المحتاج.
أما فى مصر وفى أثناء إعداد دراسة عن إمكانيات التنمية السياحية على ساحل البحر الأحمر عام 1991 لحساب وحدة التنمية السياحية التى تحولت إلى هيئة، تشارك معنا خبير موارد المياه الكبير د. كمال الحفنى الذى وافانا بمعلومات عن مواقع وأحجام مياه السيول بالساحل التى تصب فى البحر موثقة كل 50 و100 عام، حيث كانت المفاجأة فى كميات المياه المهدرة، فقد تم فى أحد المواسم تسجيل كمية مياه المتساقطة لأحد مخرات السيول بالجنوب وهى 2000م3 فى الثانية الواحدة. وهى كمية مذهلة من المياه سنُحاسب يوما على إهدارها.
إن حديث المياه والتعامل مع الصحراء طويل لا ينتهى، يحتاج الأمر ونحن نتناول فكرة بناء عالم أخضر جديد فى مواقع محددة من الصحراوات الواسعة، إلى رؤية وعلم وخبرة، والأهم من ذلك هو التعلم من تجارب الآخرين، وعدم الإنصات إلى مصالح ضيقة أو عقول مغلقة لأطراف تستفيد من أوضاع هنا أو هناك، ولا تنظر إلى الصالح العام للبلاد.

وللحديث باقية..

سامح عبدالله العلايلى عميد سابق وأستاذ بكلية التخطيط العمرانى جامعة القاهرة
التعليقات