الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 4:45 م القاهرة القاهرة 26.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

أسباب «النحس» فى التلاعب بالدستور

نشر فى : الخميس 24 أغسطس 2017 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 24 أغسطس 2017 - 9:30 م
كثير من الكتابات المعارضة لمشروع التعديلات الدستورية المطروح حاليا تضمنت تحذيرات من «نحس» العبث بالدستور على مرتكبيه، وربط القائلون بهذا النحس بين مصير رؤساء الجمهورية الثلاثة السابقين، وبين تلاعبهم بالدستور السارى كل فى وقته.
فالسادات اغتيل دون أن يستفيد من تعديل «الهوانم» الذى أباح امتداد الفترات الرئاسية دون حد أقصى، ليس هذا فقط، ولكن أيضا فى وقت كانت فيه لجنة الاقتراحات والشكاوى فى مجلس الشعب برئاسة (عديله) محمود أبووافية تستعد لتقديم مشروعين بقانونين، أولهما يمنح السادات لقب سادس الخلفاء الراشدين، والثانى يثبته فى منصب الرئيس مدى الحياة، وكأنه «اطلع الغيب، أو اتخذ عند الرحمن عهدا».
وفى حالة حسنى مبارك فإن إقدامه على تعديل الدستور ليحول طريقة اختيار الرئيس من الاستفتاء إلى الانتخابات تسهيلا لمشروع توريث المنصب إلى ابنه ــ كان هو فتيل إشعال شحنة المتفجرات المعارضة، على المستوى الشعبى، وعلى مستوى الدولة العميقة، وهى الشحنة التى ثبت أنها كانت قنبلة عنقودية، ظلت انفجاراتها تتوالى منذ عام التعديل الدستورى (2005)، حتى أطاحت به ثورة يناير.
أما فى حالة الرئيس الإخوانى محمد مرسى، فإن إعلانه الدستورى المفاجئ فى نوفمبر 2012 كان بداية النهاية لرئاسته، ولحكم جماعته ككل.
فهل لمقولة «النحس» هذه أسباب سياسية موضوعية، تصمد للتحليل، وتتجاوز مشاعر التفاؤل لدى المعارضين، أو التشاؤم لدى المؤيدين، ولا تركن فقط إلى الحدس، أو التفكير بالتمنى؟
بصياغة أخرى: هل يمكن اكتشاف سبب واحد عميق يصلح تفسيرا لتحول التلاعب بالدستور ــ من أجل التمكين أو التأبيد ــ إلى نكبة على من حاولوا ذلك من الرؤساء السابقين؟
بداية فإن من المسلم به أن تكرار المصادفة يحولها إلى ظاهرة، كما أن تكرار الظاهرة يحولها إلى قانون، فلاشك إذن أننا أمام ظاهرة، وإن لم يتأكد ــ بعد ــ أنها أصبحت قانونا.
على قدر اجتهادنا فإن كل التعديلات الدستورية فى الحالات الثلاث المشار اليها انطوت على قدر كبير من التذاكى الصبيانى، والاستخفاف بكل مواطن على أرض مصر، عدا جماعات المنتفعين بالطبع، كما انطوت بالقطع على تهديد لفرص وأدوار قوى اجتماعية، ومؤسسات نافذة، وشخصيات طامحة، ومن ثم فقد توحد الجميع شعوريا فى رفض هذه التعديلات، وتجمعت الروافد المتناثرة لتصب فى مجرى واحد رئيسى، فى انتظار فتيل الاشعال.
أى أن المترددين حسموا أمرهم، وأفاق حسنو النيات من غفلتهم، وأحس كثير من المؤيدين بألم الخديعة.
يتذكر الذين عايشوا العامين الأخيرين فى حكم السادات أن الجميع فى مصر بدوا نافدى الصبر، رئيسا وحكومة، ومعارضة حزبية، ونقابات، ورأيا عاما، ومع ذلك فقد أغلق الرئيس كل مسالك الحوار، وافترض أنه سيتمكن بحملة اعتقالات سبتمبر 1981 من استعادة الزمام المتفلت من يديه، ففاجأته رصاصات الاغتيال داخل العرض العسكرى، وهو الحادث الذى لاتزال الروايات حول حقيقته وأعماقه متضاربة، وأحدثها الحكم بالسجن على ابن شقيق له، فى عهد حسنى مبارك، لأنه أشار علنا إلى أن الرواية المعلنة رسميا عن اغتيال عمه ليست هى الحقيقة، بما يعنى أنه كان لأطراف أخرى غير جماعة الجهاد الاسلامى ــ أو معها ــ مصلحة فى التخلص من الرئيس بالقتل، و بما يعنى أيضا بالضرورة أنه لو لم يعدل الدستور ليبقى رئيسا مدى حياته، لما كانت هناك حاجة لاغتياله، وبما يعنى أخيرا أن كل قوى وتيارات المعارضة توحدت ضده، أو بالأحرى ضد خطته للخلود على الكرسى.
وأما فى حالة حسنى مبارك، فلم يعدل التفاؤل بأنه سيعلن مشروعا لتعديل الدستور يقضى بانتخاب رئيس الجمهورية من بين عدة مرشحين سوى التشاؤم والاحباط اللذين اجتاحا عموم الوطن، عندما سمعناه يضع فى خطابه 14 قيدا على الترشح للمنصب، بحيث لا ينفذ منها سوى «جمال مبارك»، ولذا فقد جاءت هذه المادة المعدلة من أعجب المواد فى التاريخ الدستورى فى مصر وفى العالم، فى عدد كلماتها، وفى نزولها لأدق التفاصيل، كما جاءت آية فى غباء التذاكى على المواطنين والمؤسسات، وقمة فى الاستخفاف بالعقول، لا يقبل مؤلف مسرحيات هزلية متوسط الموهبة أن تنسب إليه.
لذلك لم يكن مجرد «النحس» هو الذى أفشل خطة حسنى مبارك وعائلته وحاشيته، ولكنه شعور كل المواطنين بالاستفزاز، وكذلك كل القوى والجماعات السياسية، ومعها، وربما قبلها مؤسسات رسمية، لتتوحد جميعا ضد مشروعه، وضده شخصيا، وليكون الرجل أول رئيس يطاح به من المنصب فى تاريخ نظام يوليو، بثورة شعبية توقعتها وساندتها أهم مؤسسات الدولة العميقة.
مثل ذلك هو الذى حدث ضد الرئيس الإخوانى محمد مرسى، وضد جماعته، فلولا إعلانه الدستورى البذىء، لما تداعى رموز المعارضة الحزبية والمستقلين إلى تشكيل جبهة الانقاذ، ولما ظهرت حركة تمرد، ولو كانت هذه أو تلك ظهرت قبل الاعلان الدستورى، أو دون وجوده من الاصل، لما كانت كل منها لقيت ذلك التجاوب الشعبى شبه الاجماعى، ولما وجدت القوات المسلحة مبررا سياسيا أمام الداخل والخارج للتدخل، والمساعدة فى إسقاط حكم الجماعة، بل ولما استطاع الحكم الجديد الصمود فى مواجهة العنف الداخلى، والضغوط الخارجية فى عامه الأول.
مرة ثالثة لم يكن «النحس» بمعنى الفأل السيئ، أو الرجم بالغيب هو سبب نكبة مرسى وجماعته جراء إعلانهم الدستورى، ولكنها الأسباب السياسية الموضوعية كما شرحناها، ولمن يحتاج دليلا إضافيا نذكره باستقالة عدد كبير من معاونى مرسى ومستشاريه فور صدور ذلك الاعلان احتجاجا عليه، وفى مقدمتهم نائبه، ووزيره للعدل، واثنان من مستشاريه السياسيين، ومستشاره القانونى.
أما فى حالتنا الجديدة هذه الأيام، فربما تتمثل الإيجابية الوحيدة فى الجدل المحتدم حول المشروع المقترح لتعديل دستور عام 2014 فى أن رئيس الجمهورية لم يكن هو بنفسه من طرح الفكرة علنا، حتى و إن كان كل من طرحوها محسوبين عليه، وحتى وإن كان الرجل قد سبق له أن أبدى تحفظات على الدستور، وأشار ضمنا إلى أنه يفضل تعديله، وربما كانت هذه الايجابية هى ما يفسر بقاء المعارضة الواسعة للمشروع فى حدود إبداء الرأى كتابة أو حديثا، وعدم تحولها إلى حراك منظم.
ولاشك أن عدم تبنى الرئيس بنفسه ــ وعلنا ــ لذلك المشروع أتاح الفرصة لأصحابه، والمدافعين عنه، لشىء من التراجع، كما قرأنا وسمعنا، فقال أحدهم إن التعديل المقترح بزيادة فترة الرئاسة من اربع إلى ست سنوات لن يسرى على الفترة الرئاسية الحالية، التى تنتهى فى العام المقبل، ولكن سيبدأ تطبيقه بعدها، وقال كبيرهم إنه لم يكن يعلن موقفا سياسيا، ولكن كان يقول رأيا أكاديميا فى مناقشة رسالة دكتوراه جامعية، عندما صرح بأن دستورنا الحالى وضع فى حالة عدم استقرار، ومن ثم فهو يحتاج إلى تعديل بعد أن حققنا الاستقرار.
و مع ذلك فلا يخفى أن هذا «الشىء من التراجع» جاء استشعارا لبوادر عودة المعارضة بكل أطيافها إلى التوحد ضد هذه المحاولة الجديدة للعبث الدستورى، للأسباب نفسها التى فعلت مفعولها فى كل حالة من حالات الرؤساء الثلاثة السابقين، وهى ــ كما رأينا ــ أبعد ما تكون عن «النحس»، وأدخل ما تكون فى باب الحسابات السياسية الرشيدة. 
يقول العارفون بالطبيعة البشرية: قد ينخدع بعض الناس كل الوقت، وقد ينخدع كل الناس بعض الوقت، ولكن يستحيل أن ينخدع كل الناس كل الوقت.. يالها من حكمة لم تضل مرة واحدة طول التاريخ!

 

عبد العظيم حماد رئيس تحرير جريدة الشروق السابق. كاتب صحفي مصري بارز ، وشغل عدة مناصب صحفية مرموقة على مدار تاريخه المهني.ولد عام 1950 ، وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية ، وعمل كمحرر ومعلق سياسي منذ عام 1973 ، سواء في الإذاعة والتليفزيون أو في مجلة أكتوبر أو في جريدة الأهرام ، وكان مديرا لتحرير الأهرام الدولي في أوروبا ، وكبيرا لمراسلي الأهرام في منطقة وسط أوروبا ، وله مؤلفات وأبحاث وكتابان مترجمان ودراسات دولية متنوعة.
التعليقات