الهولوكوست.. الجريمة والعقاب - محمد عبدالمنعم الشاذلي - بوابة الشروق
الأحد 18 أكتوبر 2026 8:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

الهولوكوست.. الجريمة والعقاب

نشر فى : الأحد 18 أكتوبر 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : الأحد 18 أكتوبر 2026 - 7:30 م

الهولوكوست كلمة اشتُقت من الجذر اليونانى القديم Holocausten بمعنى القربان الذى يتم حرقه على مذبح الأضاحى حرقًا كاملًا ويصير رمادًا.

انتشرت الكلمة وتوحشت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لتكون تعبيرًا عن المذابح التى ارتكبها النظام النازى ضد اليهود فى ألمانيا وسائر البلاد الأوروبية التى احتلتها خلال الحرب لتطبيق ما أُطلق عليه الحل النهائى، وهو برنامج التطهير العرقى لأوروبا من اليهود بوضعهم فى معسكرات اعتقال يعيشون فيها تحت خط الآدمية، ليموت فيها من يموت ويُساق الباقون إلى أفران الغاز لقتلهم والاستفادة من بقاياهم بعد نزع حشو أسنانهم الذهبية وتحويل شحومهم إلى صابون حسب الرواية، حتى يكتمل المشهد الدرامى التراجيدى ويقر فى نفس العالم شيطنة الألمان والتعاطف مع اليهود. وتم تكريس ذلك من خلال طوفان من الأفلام السينمائية الهوليوودية ومن خلال متاحف الهولوكوست التى أُقيمت فى إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا، وباتت زيارتها معلمًا ثابتًا من معالم جولات كبار الزوار.

وهكذا تحولت أطروحة طلعت من تحت أنقاض عالم مدمر ممزق من لهيب حرب لم ير العالم مثلها، فخلقت وجدانًا جمعيًا يبحث عن كبش فداء يحمله وزر ما حدث، رغم أن الكل ساهم فى صنع المأساة.

     •     • •
انطلقت أفلام هوليوود والأدبيات التاريخية والإعلامية لشيطنة ألمانيا، فأصبح المنتصر هو المدعى والقاضى والسجان والقصاب الذى يطيح بالرؤوس دون السماح بطرح مضاد يفند أو يحلل الاتهام، ناهيك عن نفيه، فتحولت أطروحة الهولوكوست إلى إرهاب فكرى وسياسى وعقائدى وسيف مسلط على رقاب العباد، وباتت المجتمعات الغربية التى ترفع راية الليبرالية تسمح بإنكار وجود الله، لكن الويل والثبور للصابئ الذى يجرؤ على إنكار الهولوكوست. وباتت ١٨ دولة أوروبية، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا، تجرم من ينكر الهولوكوست أو يشكك فى أرقام ضحاياه، وكان من أبرز ضحايا هذه القوانين الكاتب والمفكر الفرنسى روجيه جارودى الذى حوكم وصدرت ضده أحكام فى فرنسا لأنه شكك فى أرقام الهولوكوست، رغم أنه لم ينف حدوثه.

ولعلنا نفترض جدلًا، من أجل إقامة نقاش موضوعى، أن الهولوكوست حدث فعلًا بكل تفاصيله البشعة، أفلم تعاقب ألمانيا بعد هزيمتها أشد وأقسى وأمضى عقاب؟ فقدم ٢٤ من كبار القادة النازيين إلى محكمة نورمبرج التى حكمت بإعدام ١٢ منهم، غير من آثروا الانتحار مثل جورنج وجوبلز، وحكمت على ثلاثة بالسجن المؤبد وأربعة بالسجن لمدد تتراوح بين عشرة وعشرين سنة. كما عُقدت بعد نورمبرج سلسلة من المحاكمات، مَثُل أمامها ٧٧ مسئولًا ألمانيًا، حُكم على ٢٤ منهم بالإعدام وعشرون بالسجن المؤبد والباقى بمدد مختلفة من السجن. وغير ذلك ما قامت به الموساد ومنظمات صهيونية مثل منظمة سيمون ويزنتال من اختطاف وقتل وتصفية ضد أعداد كبيرة من الأشخاص بدعوى ارتكاب جرائم حرب ضد اليهود، وذلك دون محاكمات أو أى إطار قانونى يضمن العدالة. وصاحب ذلك حملة ممنهجة للنيل من كل من لا ترضى عنه الدوائر الصهيونية، ولعل من أكثرها فجاجة الهجوم على الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس النمسا السابق كورت فالدهايم لأنه خدم جنديًا برتبة نفر فى جيش بلاده أثناء الحرب، فضلًا عما تعرضت له الممثلة البريطانية العظيمة فانيسا ريدجريف من اضطهاد فى مؤسسة هوليوود بسبب قيامها بدور البطولة فى فيلم Hannah K المتعاطف مع الفلسطينيين، وغير ذلك من تدمير ألمانيا واحتلالها وتقسيمها واغتصاب مليونى امرأة ألمانية. كل ذلك أخرج الأمر من إطار تحقيق العدالة إلى إطار الانتقام والتشفى والإذلال المستمر، وبات الأمر وكأنه رخصة لمن تعرض للاضطهاد أن يضطهد غيره تنفيسًا عن عقده النفسية، وكأننا نسمح لضحايا ريا وسكينة وسفاح كرموز بقتل الناس تنفيسًا عن عقدهم.

     •     • •
ولعل ما يزيد الأمر قبحًا النفاق السياسى والمعايير المزدوجة، ولعله من المفارقات أن أبلغ من عبر عنها الجنرال كورتيس لوماى، قائد قاذفات القنابل الأمريكية فى الحرب الثانية، مبتكر تكتيك القصف المكثف للمدن Carpet bombing الذى دمر برلين وهامبورج ودرسدن فى ألمانيا وطوكيو وهيروشيما وناجازاكى فى اليابان، بمن فيها من مدنيين ونساء وأطفال وشيوخ. وعلق على محاكمات نورمبرج وقال: كان من الواجب أن أحاكم أمامها، لكننا انتصرنا!
ولعل ذلك من أسباب تمسك الولايات المتحدة بسردية الهولوكوست وتصويرها على أنها عمل شيطانى لا مثيل له، فيتقزم بجانبها ما قامت به من فظائع فى الحرب، وتصر على استمرار تذكير العالم بسلسلة من الأفلام والمسلسلات رغم مضى الوقت.

بلغ الإرهاب الفكرى مداه قريبًا لمن ينتقد تصرفًا أو مظهرًا لليهود احترامًا لما تحملوه، وكأنهم وحدهم دون غيرهم من تعرض للظلم والتنكيل، فالأمريكى الأسود تعرض لما هو أشد، ولم يشفع له ذلك أو يمنع الرئيس الأمريكى من تركيب صورة وجه رئيس أمريكى سابق وزوجته على أجسام قرود.

ومع تمتع اليهود بالحضانة، انتقلت العنصرية ضد المسلمين والعرب، فظهرت ألفاظ مثل الإسلاموفوبيا وقوانين تمنع تحجب النساء، ويُدمغ من يقول مجرد نكتة أو فكاهة عن اليهود بمعاداة السامية، بينما يُستباح العرب والمسلمون وينسون أنهم أيضًا ساميون.

     •     • •
لعلنا نتساءل عن سبب توحش الصهيونية ووصولها إلى هذه الدرجة من التوحش، ولعلى أرجع ذلك إلى قوانين الحركة التى وضعها الفيزيائى الشهير إسحاق نيوتن، والتى تقول إن الجسم إذا دفعته قوة من السكون إلى الأمام فإنه يستمر فى التقدم حتى تتدخل قوة أخرى لإيقافه أو تعديل مساره.

لقد استسلمنا لقوة الصهيونية واللوبى الصهيونى ولم نقابلها بقوة لكبح جماحها، فتوحشت وباتت ترتكب من الفظائع أكثر مما ارتكبته النازية، تحت حماية الولايات المتحدة التى وصل بها الأمر إلى فرض عقوبات على مسئولى المحكمة الجنائية الدولية عندما قدموا مذكرات لتوقيف مجرمى الحرب، ووقف سفير إسرائيل يمزق ميثاق الأمم المتحدة أمام العالم فى الجمعية العامة.

لعل أخشى ما أخشاه أن تتغير حكومة إسرائيل وحكومة أمريكا، فنطوى هذه الصفحة الدامية ونفتح صفحة جديدة للتعايش والسلام، ونتغاضى عما ارتُكب من جرائم، ونكون بذلك قد زدنا من القوة الدافعة لجرائم الصهيونية طبقًا لقانون نيوتن، وعلينا انتظار صفحة جديدة أكثر دموية وأكثر بطشًا.

لقد كتب الأديب العظيم دوستويفسكى كتابه الشهير الجريمة والعقاب، فإذا كانت هناك جريمة فيجب أن يكون هناك عقاب حتى تستقيم الحياة ويستقيم الكون.

عضو المجمع العلمى المصرى

 

محمد عبدالمنعم الشاذلي عضو المجمع العلمي المصري
التعليقات