وثبة علمية كبيرة للإنسانية فى العلم وفى الفضاء - محمد عبدالمنعم الشاذلي - بوابة الشروق
الأحد 6 سبتمبر 2026 9:34 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

وثبة علمية كبيرة للإنسانية فى العلم وفى الفضاء

نشر فى : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 6:50 م

مشروع علمى كبير جارٍ تنفيذه دون أن ندرى عنه شيئًا بسبب غياب الإعلام العلمى عن حياتنا، هو مشروع تلسكوب الراديو فى المنخفض القمرى Lunar Crater Radio Telescope وهو فكرة طرحتها مؤسسة NASA الفضائية الأمريكية سنة ٢٠٠١ عن طريق معهد ناسا للمفاهيم المتقدمة NASA Institute For Advanced Concepts لبناء تلسكوب عملاق يبلغ قطر طبقته للاستقبال كيلومترًا كاملًا، وأن يثبت فى منخفض على سطح الجانب المظلم من القمر لرصد ودراسة الموجات المتناهية الطول ultra long waves

التى يبلغ طولها ١٠ أمتار، بذبذبة تبلغ ٣٠ ميجاهيرتز، وهى موجات تعكسها طبقة الأيونوسفير، ويندر وصولها إلى الأرض، وهى موجات لها استخدامات عسكرية مهمة، لعل أبرزها الاتصال اللاسلكى مع الغواصات الغاطسة تحت سطح البحر، من خلال خاصية هذه الموجات القادرة على النفاذ إلى أعماق البحر. ولهذا الغرض أقامت الولايات المتحدة عددًا من مراكز الإرسال إلى غواصاتها، أبرزها مركز clam lake فى وسط غابات ولاية ميتشيجان، حيث بنيت هوائيات تمتد فيها أسلاك لمسافة ٨٠ ميلًا، مرفوعة على أبراج ارتفاعها ٤٠ قدمًا.

والتخطيط التنفيذى للمشروع يتولاه معمل المحركات النفاثة Jet Propulsion Laboratory التابع لوكالة ناسا، جامعة California Institute of Technology المعروفة اختصارًا بكالتك، وهى الجامعة التى عمل بها الدكتور أحمد زويل أستاذًا للكيمياء والفيزياء.

وتم اختيار الجانب المظلم للقمر مكانًا للتلسكوب؛ لأنه يحجب الموجات الكهرومغناطيسية النابعة من الأرض من تلويث ما يرصده التلسكوب من بيانات.

والجانب المظلم من القمر هو الوجه الذى لا يطل على الأرض بسبب دوران القمر على محوره بنفس سرعة دورانه حول الأرض، فيبقى اتجاهه دائمًا محجوبًا عن الأرض، مما يجعل دراسته والتعامل معه علميًا أكثر صعوبة. فقد تعرف الفلكيون على السطح المقابل للأرض من القمر منذ أن صنع جاليليو تلسكوبه فى عام ١٦٠٩م، وحتى بعد أن هبط نيل أرمسترونج، أول رائد فضاء على سطح القمر، ظل الجانب المظلم مجهولًا لنا حتى عام ١٩٥٧م، عندما أرسلت سفينة الفضاء السوفيتية Luna 3 التى كانت الأولى للدوران حول القمر، ٢٩ صورة فوتوغرافية غطت ٧٠٪؜ من مساحته. تلا ذلك رحلة أبوللو ٨ فى عام ١٩٦٨م، التى اتخذت مدارها حول القمر وصورت بدورها الجانب المظلم، وكان روادها الثلاثة فرانك بورمان، وجيم لوفل، وويليام أندرس، أول من يروه بالعين المجردة دون وسيط.

  • • •

وحققت الصين فتحًا علميًا عظيمًا فى يوم ٣ يناير ٢٠١٩، عندما نجحت مركبتها الفضائية Chang 4 فى الهبوط على الوجه المظلم من القمر، لتكون الأولى فى هذا السباق بين الكبار، وكان هبوطها فى منخفض فون كارمان فى القطب الجنوبى للقمر. واتبعت الصين ذلك بمركبة ثانية بعد خمسة أعوام، فى عام ٢٠٢٤، هى المركبة Chang 6 التى لم تنجح فى الهبوط على الجانب المظلم فحسب، بل نجحت فى إرسال عينة من أحجار وتربة الجانب المظلم من القمر إلى الأرض.

ويعتبر مخطط بناء التلسكوب على الجانب المظلم من القمر آية من آيات الإعجاز العلمي، حيث يتم البناء بواسطة مجموعة من الروبوتات من طراز Du Axel Robotics كل منها عبارة عن جزأين يمثلان توءمين، يقوم واحد بدور المرساة التى تثبت الروبوت على حافة المنخفض، وينزل الآخر إلى المنخفض لتثبيت الأجزاء وينسقها.

ويتم تشغيل الروبوتات عن طريق التحكم من بُعد من القاعدة على الأرض، وهو تحدٍّ علمى كبير؛ لأن جسم القمر يعيق الإشارات الكهرومغناطيسية عن الوصول إلى الجانب المظلم، وهو ما خبرته وكالة ناسا أثناء رحلة أبوللو ٨، عندما حبس العلماء فى قاعدة التحكم أنفاسهم فرقًا عند انقطاع الاتصال مع رواد الفضاء أثناء وجود المركبة على الجانب المظلم وهى تكمل مدارها حول القمر. وتخطط ناسا لاستخدام مواد خفيفة يسهل نقلها عبر الفضاء، فبدلًا من الخلايا العاكسة الثقيلة المستخدمة تقليديًا فى التلسكوبات، ستستخدم غشاءً نسيجيًا يفترش قاع المنخفض.

كانت رحلات الفضاء السابقة هى إنزالًا لمركبات على سطح القمر للتصوير والقياس وإجراء التجارب، وعودة بعضها بعينات من التربة، أما هذه المرة، فلعلها الأولى التى يتم من خلالها البناء على سطح القمر، وهو تطور مهم فى مسيرة سباق الفضاء.

  • • •

وإذا كان نيل أرمسترونج قد وصف خطوته الأولى على سطح القمر بأنها خطوة صغيرة لإنسان، لكنها وثبة كبيرة للإنسانية، فإن مشروع تلسكوب الراديو فى المنخفض القمرى هو بلا شك وثبة عملاقة أخرى للإنسانية.

إنجازات علمية مبهرة فى مجال الصواريخ الحاملة لأجزاء التلسكوب، والملاحة الفضائية، والاتصالات، وهندسة المواد، والتحكم من بُعد، توضح الخطوات الهائلة التى يخطوها العلم، ولعلها أيضًا تشير إلى قدرة الإرادة السياسية على الإنجاز. فنرى الصين، التى كانت لا تزال تحبو عند بداية عصر الفضاء سنة ١٩٥٧م، لتكون السباقة فى الوصول إلى الجانب المظلم من القمر والعودة بعينة من صخوره وتربته، بسبب الأولوية التى وضعتها للبحث العلمى.

كل ذلك يشعرنى بإحباط شديد لما لاقاه هذا المشروع الهائل من إهمال فى وسائل إعلامنا بسبب غياب الإعلام العلمى، الذى بحَّ صوتى فى المناداة بإحيائه، وبإحباط أكبر عندما أرى مساحة التغطية الإعلامية لحفلات محمد رمضان وشيرين عبدالوهاب فى الساحل الشمالى.

عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية

 

 

محمد عبدالمنعم الشاذلي عضو المجمع العلمي المصري
التعليقات