سدود إثيوبيا الجديدة.. للتفاوض حدود - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأحد 6 سبتمبر 2026 9:34 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

سدود إثيوبيا الجديدة.. للتفاوض حدود

نشر فى : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 7:00 م

لم يكن لإثيوبيا أن تجرؤ على الإعلان عن عزمها بناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، بعد أن نجحت فى فرض سد النهضة كأمر واقع، لولا أنها اطمأنت إلى أن مصر لن تذهب فى مواجهة هذا التحدى أبعد مما ذهبت إليه طوال السنوات الماضية.

منذ أن أعلنت أديس أبابا فى 2011 بدء تشييد سد النهضة، تعاملت القاهرة مع الأزمة، فى معظم مراحلها، باعتبارها معركة تفاوضية يمكن حسمها باتفاق ينظم الملء والتشغيل، لكن إثيوبيا تبنت الاستراتيجية الإسرائيلية فى التفاوض، «لا تُقدم أى تنازلات، وأعمل على كسب الوقت، واصنع واقعا جديدا على الأرض يصعب تغييره».

طوال سنوات التفاوض، تمسكت القاهرة بالقانون الدولى، ولجأت إلى الاتحاد الإفريقى ومجلس الأمن، بينما تقدمت عمليات البناء والملء حتى دخل السد مرحلة التشغيل فى سبتمبر 2025، دون أن نصل إلى الاتفاقية التى ظلت مصر تطالب بها.

وأخيرًا جاءت الرسالة الإثيوبية الأكثر خطورة، إذ لم تكتف أديس أبابا بالإعلان عن نيتها بناء السدود جديدة، بل وصل الأمر إلى التهديد بأن تدفق المياه إلى دول المصب سيكون تحت سيطرتها، حسبما صرح وزير المياه والطاقة الإثيوبى هابتامو إيتيفا، الذى شدد على أن بلاده لن تطلب إذنا من دول أخرى إذا قررت بناء سدود جديدة.

المشكلة إذن لم تعد سد النهضة وحده، وإنما النهج الإثيوبى الذى يسعى إلى تحويل النيل الأزرق إلى مجال تتحكم أديس أبابا فى تدفقاته، بينما تظل القاهرة أسيرة قاعدة «التفاوض أولا».

ورغم ما عانته القاهرة من خطأ الرهان على المفاوضات العبثية، ووساطات الأصدقاء لإقناع أديس أبابا على باحترام حقوقها، يبدو أنها تعيد ذات الأمر وتنتظر نتيجة مغايرة.

فى ختام زيارة الرئيس الصينى شى جينبينج إلى القاهرة، أكدت بكين اعترافها بالأهمية الحيوية للنيل بالنسبة إلى مصر، وبحقها المشروع فى حماية أمنها المائى والغذائى ومصالحها التنموية.

الرسالة الصينية مهمة، لكن هل يمكن التعويل عليها؟؛ فالصين ليست دولة محايدة تمامًا فى المشهد الإثيوبى؛ فقد لعبت شركاتها ومؤسساتها أدوارًا مهمة فى منظومة الطاقة المرتبطة بسد النهضة.

أما إيطاليا، التى عرض وزير خارجيتها أنطونيو تايانى التوسط بين القاهرة وأديس أبابا، مستفيدًا من علاقات بلاده الجيدة مع إثيوبيا، فهى أيضًا ليست وسيطًا بلا مصالح؛ فشركة «سالينى» الإيطالية هى التى حصلت على عقد إنشاء سد النهضة.

وحتى الولايات المتحدة التى أبدى رئيسها فى فترة ولايته الأولى اندهاشه من عدم تفجير مصر لسد النهضة، وطرح اتفاقًا مقبولًا تهربت منه إثيوبيا، لم يعد اعتبارها وسيطًا مضمونًا فى ظل تعقيد التشابكات، إذ رفعت واشنطن وأديس أبابا الشهر الماضى مستوى التعاون الدفاعى والأمنى إلى الإطار الاستراتيجى الشامل.

الرهان المصرى على التدخل الدولى، أو على أصدقائنا فى الصين أو إيطاليا، ومن قبلهما الولايات المتحدة، أشبه بما ذهب إليه العرب قبل عقود عندما اعتقدوا أن الأمريكان يمكن أن يضغطوا على حليفهم الإسرائيلى ليعيد الحقوق إلى أهلها.

لم تصل إثيوبيا إلى هذه الجرأة لأن العالم اقتنع فجأة بحقها فى التحكم فى النيل، بل لأنها اكتشفت أن الكلفة التى تدفعها مقابل فرض الأمر الواقع أقل من المكاسب التى ستحصل عليها عن طريق التفاوض.

أعلنت القاهرة مرارًا أن المياه «أمن قومى وخط أحمر»، وذهب وزير الخارجية بدر عبد العاطى إلى التلويح بحق الدفاع الشرعى لحماية حقوقنا المائية؛ لكن أديس أبابا لم تعد تلقى بالًا لتلك التصريحات، فالخطوط الحمراء التى لا يترتب على تجاوزها ثمن تصبح مجرد شعارات، لا تردع ولا تغير موقفًا.

ليس المطلوب أن نتخلى عن الدبلوماسية، وإنما أن نعيد تعريفها باعتبارها واحدة من أدوات القوة المصرية، لا كل القوة المصرية.

إذا كانت القاهرة تريد من الصين أن تضغط، فعليها أن توضح لبكين أن مصالحها مع مصر لا تقل أهمية عن مصالحها مع إثيوبيا. وإذا كانت تريد من إيطاليا أن تتوسط، فعليها أن تجعل روما تدرك أن الوساطة الحقيقية تبدأ من وقف الإجراءات الأحادية، لا من إعادة مصر إلى طاولة تفاوض جديدة.

أما أن نقبل كل مرة بالعودة إلى التفاوض، بينما يستمرالتعنت الإثيوبى، فهذا ليس تفاوضًا، بل دوران فى حلقة مفرغة يضع الطرف الآخر حدودها ونتائجها.

التراخى فى الدفاع عن حق يفتح باب التخلى عن حقوق أخرى، والقبول بالحلول الوسط فى المعارك الوجودية، يعنى أنك تضع رأسك تحت سيف خصمك.

 

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات