لم يكن قد مر يوم واحد على توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسى بتشكيل لجنة من أجهزة الدولة لضمان حرية نفاذ المواطنين إلى الشواطئ، وحظر إقامة أى منشآت أو أعمال لمسافة 200 متر من خط الشاطئ، حتى فاجأنا رئيس الوزراء مصطفى مدبولى بتصريح مُفسر مفاده أن التوجيه الرئاسى يقتصر على «المشروعات الجديدة فقط».
توجيه الرئيس، لم يكن يحتاج إلى تفسير، واستقبله الرأى العام باعتباره تصحيحا لأوضاع خاطئة تراكمت عبر عقود، منذ أن خصصت الحكومات المتعاقبة مساحات واسعة من السواحل لشركات التطوير العقارى، أو منحتها حق استغلالها، دون ضوابط تضمن احترام النصوص الدستورية والقانونية المنظمة للشواطئ وحرمها، ما سمح بإقامة قرى وفنادق متلاصقة مع البحر، حجبت الوصول إليه، وهددت حق الأجيال القادمة فى شواطئ بلدها.
«توجد مشروعات قائمة بقالها عشرات السنين وخلاص بقت موجودة، لكن الرئيس وجه إن مفيش مشروع جديد إلا ويحترم هذا الأمر»، قال مدبولى بعد 24 ساعة على صدور التوجيه الرئاسى، مضيفا أن «سيادته وجه إن بقدر الإمكان لازم تبقى كل الأماكن اللى موجودة على امتداد الشواطئ مفتوحة للمواطنين».
التوجيه الرئاسى واستدراك رئيس الوزراء، سلطا الضوء مجددا على أزمة طفت على السطح الشهر الماضى، عندما تداولت منصات التواصل شكاوى ملاك وحدات بمنتجعات وقرى سياحية، أبرزها «مراسى»، من فرض رسوم على دخول بعض الشواطئ رغم ملكيتهم وحدات داخل المشروع.
الأزمة لم تبدأ بما جرى فى «مراسى»؛ فمنذ تسعينيات القرن الماضى، اتسع نطاق إسناد مساحات ساحلية واسعة إلى شركات ومؤسسات استثمارية لإقامة مشروعات سياحية، وتطورت الأمور إلى صفقات مليارية لـ«بيع البحر» بدلا عن منح حق استغلال الأرض.
إن إسناد مشروعات سياحية إلى شركات التطوير العقارى على سواحل مصر لا يمنح المستثمر حق احتكار الشاطئ، ولا يحول الوصول إليه إلى خدمة إضافية لا يحصل عليها إلا من يستطيع الدفع.
المادة 45 من الدستور ألزمت الدولة بحماية بحارها.. وكفلت «حق كل مواطن فى التمتع بها»، فيما نصت المادة 32 على أن الموارد الطبيعية ملك للشعب، وألزمت الدولة بالحفاظ عليها وحسن استغلالها ومراعاة حقوق الأجيال القادمة فيها؛ فيما نظم قانون الموارد المائية والرى إقامة المنشآت والأعمال على الشواطئ وحرمها.
إذن، حتى عندما تمنح الدولة مستثمرا حق استغلال أرض لإقامة مشروع سياحى، فإنها لا تمنحه البحر، ولا يتحول حق استغلال الأرض تلقائيا إلى حق فى احتكار الشاطئ.
لا يمكن أن تمنح الدولة المستثمر الأرض، وتوافق على المشروع، وتصدر تراخيصه، ثم تتركه لسنوات يحدد وحده طبيعة العلاقة بين المشروع والبحر، قبل أن تستيقظ عندما تتحول الشكاوى إلى قضية رأى عام.
وإذا كانت بعض المنشآت قد أقيمت بالمخالفة للاشتراطات القانونية أو ترتب عليها منع المواطنين من النفاذ إلى الشاطئ، فكونها قائمة منذ «عشرات السنين» لا ينبغى أن يكون سببا لتركها، بل سببا لفحص أوضاعها.
ثم ماذا عن الأجيال القادمة؟.. هل نستثمر الساحل اليوم ونترك لأبنائنا شريطا طويلا من الأسوار والبوابات التى يقتصر المرور عبرها على من يدفع أكثر؟
وماذا عن الطبقة التى لا تظهر فى فيديوهات الساحل وإعلاناته؟.. فقراء هذا البلد الذين لا يستطيعون شراء شاليه بملايين الجنيهات، ولا حتى قضاء أسبوع فى إحدى قراه السياحية؟.. هؤلاء الذين أنهكتهم زيادات الأسعار، وتحولت حياتهم إلى جحيم، ليس بفعل موجات التضخم وحدها، بل بفعل الحسرة على ضياع حقوقهم وحقوق أبنائهم فى أراض بلادهم وشواطئها التى تُحجب خلف الأسوار، وتتحول إلى امتياز متاح لقلة من الأثرياء المصريين والأجانب.
ما حدث ولا يزال يحدث هو إعادة توزيع طبقية لمورد طبيعى يفترض أنه ملك للجميع؛ لصالح قلة تملك كل شىء، فيما يُحرم الفقراء حتى من أبسط حقوقهم؛ أن يصلوا إلى بحر بلادهم ويستمتعوا به مجانا.
اللافت أن دولا رأسمالية كبرى لا تتعامل مع شواطئها بهذه الطريقة؛ ففى فرنسا على سبيل المثال الدولة متلزمة بحرية وصول المشاة إلى الشواطئ، وبحق الاستخدام المجانى للجمهور، وهو ما يسرى فى معظم الدول الأوروبية.
المستثمر يستطيع أن يبيع الوحدة، لكنه لا يستطيع أن يبيع البحر، لذا لا ينبغى أن تنزل اللجنة إلى الساحل لتتأكد فقط من التزام المشروعات الجديدة بمسافة الـ200 متر، بل لتراجع المشروعات القائمة: كيف حصلت الشركات على الأرض.. وما طبيعة حق استغلالها.. وهل أتاحت ممرات عامة.. ومن منها يفرض رسوما ومقابل ماذا؟.
إن أخطر ما فى عبارة «بقدر الإمكان» التى صرح بها رئيس الوزراء أنها حولت الحق الدستورى من حق واجب النفاذ إلى أمنية تحاول الحكومة تحقيقها قدر استطاعتها.