فى الوقت الذى يتبادل فيه زعيما الولايات المتحدة وإيران الاتهامات بنقض مذكرة التفاهم، ويتوعد كل منهما الآخر بمزيد من الضربات القاسية، وعلى وقع الصواريخ والقنابل الذكية والغبية، برزت فى واشنطن وطهران أصوات تدعو إلى تغليب الحكمة، والعودة إلى مائدة التفاوض قبل أن تلتهم نيران الحرب ما تحقق من تفاهمات.
فى واشنطن، خرج نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس بتصريحات يتهم فيها إسرائيل واللوبيات الداعمة لها بمحاولة إفشال مسار التفاوض مع إيران، ما يحمل بلاده كلفة سياسية واقتصادية باهظة.
وفى طهران، دعا الرئيس الإيرانى الأسبق محمد خاتمى إلى تبنى ما يصفه بـ«السلام المشرف»، محذرا من أن «دعاة الحرب والانتقام يسيرون، من حيث يدرون أو لا يدرون، فى الطريق الذى تريده إسرائيل».
وبينما يتمسك دعاة التصعيد فى واشنطن وطهران بالحلول الصفرية، ولا يبدى أى منهما استعدادا للتراجع قبل أن يُرغم الآخر على «استسلام غير مشروط»؛ يدرك البرجماتيون بالإدارة الأمريكية، والإصلاحيون فى إيران، أن استمرار الحرب لا يخدم سوى إسرائيل، التى لا ترى فى التهدئة مصلحة لها.
غير أن التشابه فى النتيجة لا يعنى تطابقا فى الدوافع أو الأهداف؛ فالفوارق بين الفريقين عميقة، سواء من حيث المقاصد السياسية، أو الوزن داخل دوائر صنع القرار.
يمثل دى فانس تيارا وازنا داخل الحزب الجمهورى، ويعد من أبرز وجوه حركة «ماجا» التى تتبنى شعار «أمريكا أولا»؛ ويبدو أن هذا التيار بات يدرك أن استمرار الانحياز الأمريكى المطلق لإسرائيل، والانخراط فى حرب مفتوحة مع إيران، سيرتبان كلفة سياسية باهظة على الجمهوريين فى انتخابات الكونجرس المقبلة، كما قد يؤثران على فرص فانس نفسه فى خلافة ترامب فى الاستحقاق الرئاسى المقبل.
يراقب فانس التحولات التى طرأت على المزاج العام الأمريكى، فاستطلاعات الرأى تكشف تراجعا ملحوظا فى التأييد الشعبى لإسرائيل، وتزايدا فى الاعتراض على الدعم الأمريكى غير المشروط لها، وهو اتجاه قد يترجم فى صناديق الاقتراع؛ لذا كان تعبيره غاضبا عندما طالب رافضى التفاوض فى تل أبيب بأن «يذهبوا إلى الجحيم».
لا يقتصر العبء الذى يواجه الجمهوريين على ملف إسرائيل؛ فالحرب مع إيران، وما ترتب عليها من ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة التضخم، إلى جانب قضية جيفرى إبستين، كلها ملفات يستعد الديمقراطيون لاستثمارها فى انتخابات الكونجرس، أملا فى انتزاع الأغلبية داخل مجلسى النواب والشيوخ، بما يضيق الخناق على ترامب خلال ما تبقى من ولايته.
فى المقابل، لا يتمتع خاتمى والتيار الذى يمثله بالنفوذ نفسه داخل النظام الإيرانى؛ فرغم أن دعوته إلى التفاوض تتقاطع مع توجهات شخصيات بارزة، مثل الرئيس بزشكيان ووزير الخارجية عراقجى، إلا إن مراكز القرار ما زالت تميل إلى خيار التصعيد، وتتمسك بـ«النهج الحسينى» الثورى الاستشهادى القائم على التضحية والصمود والفداء، ويستمد هذا المفهوم إلهامه من واقعة كربلاء.
صحيح أن مواقف فانس التقت فى نتيجتها مع دعوات الإصلاحيين الإيرانيين، لكن التشابه يتوقف عند هذا الحد؛ فنائب الرئيس الأمريكى يتحرك انطلاقا من حسابات تتعلق بمستقبل حزبه وطموحه السياسى، بينما يستند خاتمى إلى رؤية ترى أن إنقاذ الدولة الإيرانية وتجنيب شعبها مزيدا من الدمار يقتضيان تبنى «النهج الحسنى»، المستلهم من صلح الإمام الحسن بن على باعتباره خيارا لحماية الدولة والمجتمع فى لحظة حرجة.
غير أن الفارق الجوهرى يتمثل فى أن فانس يعبر عن تيار صاعد داخل دوائر صنع القرار الأمريكى، بينما لا يمثل خاتمى سوى تيار محدود داخل نظام تميل كفته إلى معسكر التشدد، الذى رسخت الحشود التى شاركت فى جنازة المرشد الراحل على خامنئى من شرعيته وصعدت من خطاب الثأر والانتقام.
ويعزز موقف هذا المعسكر انعدام الثقة العميق فى الإدارة الأمريكية، التى تبدو أسيرة لتقلبات ومصالح رئيسها الذى بلغ به الصلف إلى حد وصف الإيرانيين بـ«الحثالة»، كما أن تقديم تنازلات واسعة لـ«الشيطان الأكبر» قد يُفقد النظام شرعية بقائه، وهو ما يدفع المتشددين إلى التمسك بخيار المواجهة.
قد تضع هذه الجولة من الصراع أوزارها، وتعود المنطقة مجددا إلى حالة «الحرب الباردة» إذا أحدثت انتخابات الكنيست الإسرائيلى فى أكتوبر المقبل، وانتخابات الكونجرس الأمريكى فى نوفمبر، تغيرات مؤثرة فى بنية مراكز صناعة القرار داخل تل أبيب وواشنطن.
وحتى يحين ذلك، ستواصل الإدارة الأمريكية محاولاتها لانتزاع تنازلات تستطيع إدارة ترامب تسويقها بوصفها «استسلاما إيرانيا»، بينما ستظل العودة إلى مسار التفاوض مرهونة، ليس فقط بقدرة البرجماتيين فى واشنطن على إقناع رئيسهم بجدوى وقف الحرب، وإنما أيضا بقدرة «الحَسنيين» داخل إيران على إقناع «الحُسينيين» بتحكيم العقل والتعامل مع الأزمة بشكل أكثر برجماتية، للخروج ولو مرحليا من تلك الدائرة المغلقة.