غاب العرب فظهر «نتنياهو» فى عنتيبى - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأحد 9 أغسطس 2026 9:14 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

غاب العرب فظهر «نتنياهو» فى عنتيبى

نشر فى : الأحد 9 أغسطس 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الأحد 9 أغسطس 2026 - 6:55 م

لم يكن من قبيل المصادفة أن يقر البرلمان الأوغندى إرسال قوات عسكرية إلى قطاع غزة، ضمن قوة أمنية متعددة الجنسيات مقترحة فى خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بعد يومين فقط من إزاحة الستار عن تمثال العقيد يوناتان نتنياهو، شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، وقائد الوحدة الإسرائيلية التى اقتحمت مطار عنتيبى عام 1976 لتحرير رهائن إسرائيليين.

المشهدان، فى تزامنهما اللافت، يكشفان أكثر من مجرد تقارب أوغندى إسرائيلى؛ إذ يقدمان صورة عن التحول الذى أصاب موقع مصر والعرب فى إفريقيا، وعن الفراغ الناتج عن غياب القاهرة عن محيطها الطبيعى، وهو ما مكن إسرائيل من التمدد وبناء نفوذ سياسى وأمنى واقتصادى، خصوصا فى دول حوض النيل.

مشهد إزاحة الستار عن تمثال «نتنياهو» أعاد إلى الأذهان ما جرى فى عنتيبى فى يونيو 1976، عندما اختطفت مجموعة تضم فلسطينيين وألمانيين طائرة تابعة لشركة «إير فرانس» وحولت وجهتها إلى مطار المدينة؛ حيث احتُجز الرهائن بدعم من نظام الرئيس الأوغندى عيدى أمين، وطالب الخاطفون بالإفراج عن أسرى فلسطينيين وعرب. 

وفى الرابع من يوليو، اقتحمت قوة إسرائيلية الأراضى الأوغندية وشنت عملية لتحرير الرهائن، دون الرجوع إلى سلطات كامبالا التى اشتبكت معها، وقُتل خلالها قائد القوة الإسرائيلية يوناتان نتنياهو.

كان عيدى أمين فى ذلك الوقت أحد الداعمين للقضية الفلسطينية، وكانت أوغندا جزءًا من البيئة الإفريقية التى احتضنت القضية الفلسطينية، لذا فإن إقامة تمثال لقائد القوة التى نفذت العملية الإسرائيلية على أرض المطار نفسه، عكست رسالة سياسية، مفادها أن كامبالا قررت طى صفحة التضامن مع الضحية، والانحياز للجلاد الذى صار منبوذًا بعد ما ارتكبه من مجازر فى حق الشعب الفلسطينى.

الدعم الإفريقى لقضايانا فى منتصف القرن الماضى كان تقديرًا للدور الذى لعبته القاهرة فى دعم تحرر العواصم الإفريقية من الاستعمار الأوروبى؛ وعليه، لم تقم العديد من الدول الإفريقية علاقات مع إسرائيل إلا بعد أن مضت مصر فى مسار «كامب ديفيد»، ومن ارتبط منهم معها بعلاقات دبلوماسية قطعها بعد النكسة أو قبل حرب 1973.

خلال زيارته لمصر مطلع عام 2013، أجرى الرئيس الأوغندى يويرى موسيفينى، حوارًا مع الإعلامية منى الشاذلى، عبَّر فيه عن خيبة أمله من حكام مصر الذين تولوا المسئولية بعد عبد الناصر.

«لم يهتموا بنهر النيل أو زيارة دول المنبع بعد وفاة عبد الناصر، الذى دعم حركات التحرر فى إفريقيا»، قال موسيفنى، وأضاف: «عندما توليت السلطة عام 1986 كنا نبحث عن المصريين، لكنهم لم يأتوا.. ذهبت إلى مصر 5 أو 6 مرات، وقلت لمبارك: لماذا لم تقم بزيارة منابع النيل؟».

ويروى محمد فايق، وزير الإرشاد القومى الأسبق، فى كتابه «عبد الناصر والثورة الإفريقية»، أنه فى عام 1965، طلبت أوغندا من مصر مساعدة عسكرية لمواجهة قوات القائد الكونغولى مويس تشومبى المدعومة من الاستعمار البلجيكى، فأرسل عبد الناصر طائرات مقاتلة بطياريها إلى أوغندا لوقف الهجمات على القرى الأوغندية؛ وبمجرد وصول أنباء وصول الطيران المصرى إلى كامبالا توقف العدوان.

بتعبير فايق، «شكل التزام مصر بقضايا التحرر الإفريقى قوة إضافية لمقاومة الاستعمار وشعر كل جزء من إفريقيا بأن له سندًا قويًا وحليفًا عنيدًا، فاستحق عبد الناصر لقب مفجر الثورة الإفريقية».

كانت تلك مصر التى عرفها الأوغنديون والأفارقة، وما أن مضت فى طريق السلام مع إسرائيل وسلمت أوراق اللعبة إلى الولايات المتحدة، انسلخت تدريجيًا عن محيطها الإفريقى والعربى، تاركة فراغًا تمددت فيه إسرائيل التى ربطت العواصم الإفريقية بها عبر منح وشراكات فى الزراعة والمياه والتكنولوجيا والتعليم والتدريب العسكرى، وبنت شبكة علاقات، خصوصًا فى دول حوض النيل.

حققت إسرائيل من هذا التمدد مكسبًا استراتيجيًا بالغ الأهمية؛ فإضعاف الحضور المصرى فى تلك المساحات، وتحويل دول كانت ترى القاهرة سندًا تاريخيًا، إلى دول ترتبط مع تل أبيب بشبكات مصالح وأمن، يصب فى اتجاه تضييق المجال الحيوى لمصر.

يختزل تمثال يوناتان نتنياهو فى عنتيبى واقع الانكفاء العربى عن العمق الإفريقى؛ فقد تحولت دول حوض النيل من مربع التضامن مع القضايا العربية إلى مربع التحالفات الأمنية والمصلحية مع إسرائيل.

وفيما تحصد تل أبيب ثمار اختراقها للقارة السمراء وتوظفها فى إعادة تشكيل التوازنات ورسم خرائط أمنها، يثبت ظهور تمثال نتنياهو فى عنتيبى فداحة الفراغ الذى تركته العواصم العربية حين غابت عن عمقها الحيوى.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات