إطلاق منظومة مياه متجددة فى عالم يتغير جذريًا - نبيل الهادي - بوابة الشروق
الأحد 9 أغسطس 2026 9:17 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

إطلاق منظومة مياه متجددة فى عالم يتغير جذريًا

نشر فى : الأحد 9 أغسطس 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الأحد 9 أغسطس 2026 - 7:00 م

لا أدرى كيف خفضت وزارة الرى استهلاك الزراعة من ٨٦٪ من إجمالى المياه الواردة والمستخدمة فى مصر إلى ٧٦٪ فى سنين قليلة جدًا. أيا كانت النسبة الصحيحة، فإنها تعنى أن الوجهة الأولى للتعامل مع تحديات منظومة المياه فى مصر هى الريف المصري. يقول حبيب عايب فى كتابه عن «أزمة المجتمع الريفى فى مصر» إن مشكلة المياه هى مشكلة جودة لا كم. شخصيًا أرى أنها الاثنان معًا. مع ذلك، يبدو منطقيًا وربما أيسر عمليًا (نظرًا لمحدودية كمية المياه المتاحة فى مصر) أن نبدأ بالجودة، لما لها من تأثير على جودة كل المحاصيل الزراعية، وبالتالى صحة الإنسان، وأيضًا صحة المنظومة الإيكولوجية فى مصر.

جودة المياه تعنى غياب الملوثات بمصادرها المختلفة، وخاصة فى قنوات الرى، وتقليل الملوثات إلى أدنى حد فى المصارف الزراعية. مصادر التلوث لمنظومة المياه فى الريف متعددة، ولكن أهمها وربما أكثرها خطورة مياه الصرف الصحى الناتجة عن المساكن فى تلك المناطق، والتى زاد عددها فى العقود الماضية بصورة مهولة. ويلى ذلك فى الأهمية المخلفات الصلبة التى تُلقى فى، أو تنتهى فى، المجارى المائية، سواء قنوات الرى أو مجارى الصرف الزراعى.

كما وثقت فى كتابى «سردية ميت رهينة»، فإن الدراسات التى قمت بها مع طالباتى وطلابى أظهرت أن نسبة كبيرة من الصرف الصحى للمساكن يتسرب من خزانات الصرف، مما يؤدى إلى تلوث التربة والمياه الموجودة بها. كما أن معظم، إن لم يكن كل، ما يتم كسحه من تلك الخزانات يعاد إلقاؤه فى المصرف الزراعى الرئيس الواقع ليس بعيدًا عن تلك القرية، وهو حال لا يقتصر على تلك القرية، بل يتكرر فى العديد من القرى التى زرتها، والتى تفتقد إلى شبكة للصرف الصحى نتيجة عوائق كثيرة لا تقتصر فقط على توفير الأموال. المصيبة هنا أن العديد من المزارعين، عندما لا تتوافر لهم المياه اللازمة لرى زراعتهم، يضطرون إلى استخدام المصارف الزراعية لتعويض ما ينقصهم من مياه الرى.

• • •

على خلاف التقارير الرسمية، فإن ما رصدناه فى ميت رهينة من وجود أربع محطات تحلية لمياه الشرب تستخدم المياه الجوفية بعد تمريرها على فلاتر لا تراقبها وزارة الصحة، ويتم بيعها للسكان المحليين. قدرت إحدى طالباتى أن تلك المحطات تغطى ما لا يقل عن ٢٠٪ من احتياجات المياه لسكان القرية.

 رسم تخطيطي للطالبتين منة الله ياسر، وضحي إبراهيم، والطالب عبدالله رجب لمنظومة المياه في المناطق السكنية في ميت رهينة

 

تتراكم المخلفات الصلبة، وخاصة البلاستيكية، فى المجارى المائية، وتقوم شمسنا الحارقة بتفتيتها حتى تصل إلى كونها متناهية الصغر، لدرجة يسهل على الأسماك استهلاكها، كما تتراكم أيضًا فى التربة الزراعية. وتتحلل بعض الأنواع الأخرى للمخلفات الصلبة فى المياه، مطلقة غازات ضارة ومنتجة ملوثات معقدة تؤثر بشدة على جودة مياه الرى. فى مشروع قائم ربطنا بين التعامل مع المخلفات الصلبة وتسببها فى تلوث التربة والمياه، وبين تدهور التنوع البيولوجى، ونعمل على خطة تستهدف أولًا ربط المخلفات بالصحة العامة، من خلال التركيز على مشروع لجمع المخلفات الطبية الخطرة والتخلص الآمن منها، وذلك بمشاركة فعالة من المجتمع المحلى. كما نعمل على إطلاق نواة لمنظومة محلية متكاملة للتعامل مع المخلفات الصلبة، من خلال مبادرة تركز على تحويل مدرسة حكومية إلى مكان خالٍ من المخلفات. وبالتوازى مع التعامل مع المخلفات، نعمل على إنشاء مشتل للأشجار البرية المصرية، نركز فيه على إنبات شجرة السنط، التى كان يعرفها قدماء المصريين بأنها شجرة الحياة، وشجرة الصفصاف التى كانت تملأ قرى مصر حتى قرنين من الزمان، ثم كادت أن تنقرض. كما نعمل على إنبات شجرة الحناء ذات الرائحة الرائعة، وأخيرًا شجرة الأثل. ونهدف إلى استخدام الأشجار الناتجة ليس فقط لتشجير المدرسة ومحيطها، ولكن أيضًا لمناطق أخرى فى القرية. الطريقة التى يتبناها المشروع تعتمد على ما يطلق عليه العمل والإنتاج المشترك، وتركز فى بداية ذلك على دعم القدرة الذاتية للأفراد من خلال مشاركتهم الفعالة فى التعامل مع المخلفات، وأيضًا فى رعاية النباتات حتى يمكن زراعتها.

• • •

قمنا بمحاولة لتنفيذ اختراع مصرى للدكتور أحمد توفيق بمعهد بحوث تلوث المياه، يستخدم البكتيريا للتخلص من الملوثات فى مخلفات الصرف الصحي، وخاصة ما يعرف بالمياه السوداء. للأسف، ولأسباب إدارية، لم نتمكن من تنفيذها. ولكننا تمكنّا من تطوير تصميم للخطوة التالية لها، وهو عمل مجمع صغير فى شارع فى منطقة غير رسمية فى برج رشيد، يسمح بمعالجة مخلفات المياه السوداء فى الشارع، ويمكن أيضًا أن تُضاف إليه المخلفات العضوية الخضراء. ويسمح التصميم، الذى يستخدم طاقة متجددة فقط، بتحويل تلك المخلفات إلى سماد عضوي، كما يسمح باسترجاع كمية من المياه للاستخدامات المنزلية التى لا تتطلب احتكاكًا مباشرًا مع جسم الإنسان (تنظيف المراحيض مثلًا يستهلك نحو ثلث المياه المستخدمة فى كل وحدة سكنية)، مما يوفر ما قد يصل إلى حوالى ٥٠٪ من حجم مياه الشرب. وهو، إن تم تطبيقه فى القرى على نطاق واسع، سنتمكن من التخلص من الحاجة إلى محطات المياه غير الرسمية، والتى قد تشكل خطرًا صحيًا فى المستقبل غير البعيد.

 

 

 نموذج مجسم لمقترح تحويل مسجد الفتح ببرج رشيد لمكان متجدد يستخدم ابتكارات متعددة تتعلق أساسًا بالمياه

وربطنا هذا التطبيق بمبنى عام، وهو ما كان مسجدًا فى تجربتنا فى برج رشيد، ولكنه من الممكن أن يكون مدرسة أو وحدة صحية أو مبنى عامًّا آخر. والفكرة هنا هى عرض التجربة، التى ستستغرق ما لا يقل عن عام لاختبار جدارتها، على أفراد المجتمع المحلى للتعرف عليها، ونقاشها، وربما طرح أفكار لتطويرها، مما يدعم، فى حالة نجاحها، نقلها للاستخدام على نطاق أوسع. طرحنا أيضًا نموذجًا لإدارة مثل هذا الابتكار يتمثل فى عمل تعاونية صغيرة على مستوى الشارع تتولى جانبًا أكبر من التمويل، كما تدير المشروع لمصلحة الجميع. ولأن منظومة المياه مرتبطة بالزراعة، فقد قمنا بعمل تصميم أولى لما يعرف بنموذج للزراعة الرأسية قليلة استهلاك الطاقة وقليلة التكلفة، وهى ما تمثل فرصة هامة لتوفير المياه فى الزراعة، حيث يمكنها توفير ما يقارب ٦٠٪ من مياه الرى المعتادة. كما تقوم أيضًا على استخدام تربة مختلفة مكونة من السماد العضوى الناتج عن المخلفات، مع مكونات أخرى.

 

رسم أولي للوحدة الزراعية الصغيرة التي تستخدم طاقة شمسية محدودة وشبك بلاستيكي وليست بحاجة لطاقة كثيفة؛ من عمل كاتب المقال نبيل الهادي والطلبة عبدالرحمن حسين، وسارة شلبي وسلمى، وخلدون.

 

 نموذج أولي لوحدة مدمجة تستخدم هاضم لاهوائي تعمل بالطاقة المتجددة.

 

فى النموذج الذى قمنا بتصميمه فى برج رشيد، اقترحنا استخدام وحدات الطاقة الشمسية التى يمكن أن تُركب فوق سطح المبنى العام، ليس فقط فى توليد الطاقة النظيفة، ولكن أيضًا فى حصاد مياه المطر فى الشتاء، والتى يمكن تنقيتها بمرشحات رمال بيولوجية محلية. وبالرغم من أن كمية المياه التى يمكن حصدها ليست كبيرة، فإنها تأتى فى الشتاء، فى وقت ينقص فيه مستوى مياه النيل (السدة الشتوية)، وهو ما يجبر محطات تحلية المياه على زيادة نسبة الكلور المستخدم للقضاء على أى ملوثات، ولكن ذلك للأسف له تأثير سلبى على صحة الناس. الفكرة هنا أن الكمية الصغيرة يمكن أن تسهم فى تحسين صحة الناس فى هذا الوقت.

اقترحنا أيضًا رصف الشوارع (ببلاطات من مخلفات المبانى)، وعلى جانبيها خنادق منخفضة مزروعة بنباتات محلية يمكنها فلترة مياه الأمطار فى الشتاء من الملوثات، وتوصيلها إلى المياه الجوفية، مما يسهم فى تحسين نوعيتها وتقليل ملوحتها.

 

 

تجربة أولية (لم تكتمل للأسف) للبيوسويل أو الخندق الموازي للطريق لتجميع وفلترة مياه المطر.

 

حولنا ابتكارًا للأستاذ الدكتور أحمد الشافعى لتحلية مياه البحر باستخدام غشاء مبتكر يعمل على الطاقة المولدة من اللوحات الشمسية، وذلك عن طريق تصميم ما يسمى بالسبيل الشمسى، يوفر للناس، سواء فى برج رشيد أو الساحل الشمالى أو ساحل البحر الأحمر، مياهًا للشرب بدون تلويث لمياه البحر.

 

 

نتمنى أن تكلل مجهوداتنا للحصول على تمويل لتنفيذ ما قمنا بتصميمه فى القريب العاجل، حتى نتمكن من اختبار مدى فعاليته، وأيضًا اختبار النموذج الاقتصادى له، حتى يمكن دراسة تسريع التوسع، الذى قد لا يحتاج سوى تمويل حكومى محدود لمراقبة ومتابعة الجودة، ولتمويل الأبحاث فى الجامعات لتحسين كفاءة تلك الابتكارات، والتعامل مع اختلاف المناطق الجغرافية فى مصر.

أستاذ العمارة بجامعة القاهرة

 

التعليقات