عن التصدى للاختلالات فى أربعة مستويات - محمود محي الدين - بوابة الشروق
الأربعاء 23 سبتمبر 2026 8:34 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

عن التصدى للاختلالات فى أربعة مستويات

نشر فى : الأربعاء 23 سبتمبر 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 23 سبتمبر 2026 - 7:25 م

إذ تحتشد وفود الدول الأعضاء فى هذا الأسبوع للاجتماعات السياسية رفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، تتعالى النداءات بأن استنقذوا العمل الدولى متعدد الأطراف مما أصابه من وهن فى مؤسساته، وتدهور فى أدائه، وعجز فى الثقة بين قياداته.

 


ولا يعتقد إلا من تعطل به زمنه بأن ما يسمى «النظام الدولى» ما زال قائمًا على عمده، انخداعًا بمظاهر لبقايا الحياة، كحال الجهات البيروقراطية المتهالكة؛ يحسبها الناظر إليها تعج بالنشاط بتدفق الداخلين إليها والخارجين منها، وهى فى الواقع خاوية على عروشها، لا تحسم أمرًا ولا تنصف مظلومًا ولا تردع ظالمًا.
وقد حذَّرت أصوات عاقلة مما صار إليه هذا الوضع، فلم يستمع لتحذيرها أحد. وقد سيقت الحجج والآراء المدعومة بالمنطق والأدلة أن ما كان يصلح باعتبار موازين القوى فى عام 1945 لم يعد صالحًا بحال مع صعود قوى بازغة فى شرق العالم وجنوبه، لدول كانت مستضعفة أو مسلوبة الإرادة مع بدء عمل المنظمة الأممية.
وقد استدعى الوضع الراهن بروز مبادرات للإصلاح، كان أحدثها ما نوه عنها مقال نشرته صحيفة «الفاينانشال تايمز»، فى 20 سبتمبر الجارى، بقلم رئيس البرازيل إيناسيو لولا دى سيلفا، وأنتونيو كوستا رئيس المجلس الأوروبى، وويليام روتو رئيس كينيا، ومارك كارنى، رئيس وزراء كندا. يقول القادة الأربعة إن اقتصاد العالم وتجارته وتواصله من خلال الإنترنت أصبح أكثر تشابكًا وتداخلًا؛ ولكن التطورات الجيوسياسية تتجه إلى منحى آخر من الاستقطاب، واستعادة مفاهيم نطاقات القوى المتصارعة، وارتفاع الإنفاق العسكرى لما يقترب من 3 تريليونات دولار، وتأجج الصراعات المسلحة؛ إذ شهدتها 35 دولة حول العالم على نحو غير مسبوق منذ أكثر من 80 سنة. يؤكد هذا أن النظام الدولى متعدد الأطراف قد سقط، فلم يعد مُعبِّرًا عن حقائق الوضع الراهن، ومن أهمها تغيُّر موازين القوى.
ولكن هذا لا يعنى أن الحاجة إلى نظام فعّال وكفء للتعاون الدولى قد تبددت، فما يُعرف بالسلع والمنافع العامة العالمية فى طفرات من الارتفاع. ومن أمثلتها ما ساقه القادة الأربعة من تفاقم لأزمة المناخ، وتطورات الذكاء الاصطناعى المتسارعة، ومهددات قد تستجد لجوائح وأوبئة، وصدمات مزلزلة قد تُحدثها أزمات مالية؛ ناهيك بما طرأ على الساحة الدولية من مخاطر تتعرض لها مسارات الملاحة الدولية؛ خصوصًا عبر المضايق، على النحو المشهود فى مضيق هرمز. وكلها من التحديات التى تنوء بحملها أى دولة منفردة.
ولهذا دعا القادة الأربعة للمشاركة فى مبادرة دولية جديدة تحت اسم «شركاء من أجل التعددية»، مؤكدين أنها ليست كتلة جديدة ولا بيروقراطية دولية جديدة، ولكن هدفها «إيجاد إطار مرن منفتح لدول من أقاليم مختلفة وتيارات سياسية متنوعة، على أن تكون على استعداد للعمل عبر الانقسامات القائمة، لتبنى تحالفات من أجل الإصلاح، وتتخذ إجراءات عملية على أسس من المبادئ المشتركة».
وقد تعهد المبادرون الأربعة بأن تكون أولويتهم إصلاح الأمم المتحدة، ومؤسسات دولية أخرى، حتى يجعلوها أكثر «تمثيلًا وشرعية وفاعلية ومصداقية». كما يستهدفون بعملهم التنسيق بين المنظمات الإقليمية والإسهام فى السلم والأمن الدوليين، وتحسين الحوكمة الاقتصادية، والاستعداد المشترك للتصدى للتحديات المتنوعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعى وتغيرات المناخ، وغيرهما.
وفى هذا كله يؤكد أصحاب المبادرة تمسكهم بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة التى اعتبروها غير قابلة للتفاوض، ومنها المساواة بين الدول ذات السيادة، وتسوية المنازعات سلميًا، وحقوق الإنسان، والحريات الأساسية، والتنمية المستدامة. لكنهم أكدوا ضرورة إعادة اكتشاف مزايا العمل الجماعى، وألا تصبح المنافسة مسارًا للمواجهة ولا للصراع.
يمكن اعتبار هذه المبادرة مندرجة فى إطار من البرامجية المبدئية. فهى تتخلص من جدلية بائسة للاختيار بين بقايا نظام ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أو التخلى عنه برمته، إلى ضرورة حسم الاختيار بين الاستمرار نحو السقوط فى هاوية الاستقطاب والتشرذم والصراعات بين القوى التقليدية والقوى البازغة، وبين تجديد التعاون الدولى وتعزيز التمسك بالقانون والنظام فى عالم متغير.
إذا كان هذا كله يدور فى إطار المستوى العالمى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، اتقاء لمزيد من شرور تدهور العلاقات الدولية والانخراط فى صراعات، فهناك مستويات ثلاثة أخرى لا تقل أهمية؛ إذ ترى فى المستوى الثانى إعادة لاكتشاف المستوى الإقليمى بين نضج تجربة مجموعة دول «الآسيان»، ومحاولات إعادة تنظيم البيت الأوروبى، وطموحات جامحة بآمال كبيرة لإفريقيا عكستها فعاليات منتدى «إفريقيا التى لا يمكن إيقافها» التى تركز على التجارة والاستثمار والمشاريع المبتكرة الناشئة فى القارة السمراء.
كما أن هناك فى المستوى الثالث مراجعات على مستوى الدولة الوطنية، فيما يتعلق بدور الحكومة ونشاط السوق، فى إطار من تحليل لكفاءة المؤسسات والتنسيق بين السياسات، وإيجاد منظومة جديدة لقياس الأداء لا تتوقف عند نمو الناتج المحلى الإجمالى؛ بل تتجاوزه لمؤشرات عن التنمية البشرية والاجتماعية، والحفاظ على البيئة والثروة الطبيعية. وقد أعدت الأمم المتحدة إطارًا جديدًا للمؤشرات يشبه لوحة مفاتيح السيارة فى متابعتها لسرعتها وقياسها لمتانتها وسلامة محركها، لكنه يتطلب قاعدة بيانات ومعلومات سخية محدثة.
وأخيرًا، وحتمًا ليس آخرًا، هناك ما يتعلق بالمستوى المحلى الذى تبدأ فيه كل الرؤى والمشاريع، وتنتهى عنده آثار كل السياسات والمبادرات؛ وأن الأجدى هو الحديث عن نهج يعكس أولويات عموم الناس وطموحاتهم بتوطين للتنمية المستدامة؛ وفى هذا تفاصيل يوضحها مقال قادم.

 

نقلًا عن الشرق الأوسط

التعليقات