من أفضل ما كُتبَ فى غرائب الانتظار تلك المسرحية الشهيرة «فى انتظار جودو» للكاتب الأيرلندى صمويل بيكيت؛ حيث ينتظر رجلان شخصا يدعى جودو، ولكنه لا يأتى أبدا. وكل يوم يأتى طفل صغير فيقول: «جودو لن يأتى اليوم، لكنَّه سيأتى غدا». لا يعرف الرجلان من هو جودو ولا لماذا ينتظرانه، ولا متى سيأتى. ومع ذلك يتظاهر الرجلان، الجالسان بجوار شجرة عارية على طريق مهجور بأنَّ للانتظار معنى، فيظلان على حالهما. فالفيلسوف الواقعى الهادئ فلاديمير يحاول أن يجعل للانتظار هدفا، بقوله: «ما دُمنا انتظرنا جودو فلدينا موعد فنحن مهمون، أو أن أحدا سيهتم بنا». أما استراجون الملول المتعجل، فيردد كلمات تعبر عن ضجره بأن لا أحد يأتى أو يذهب؛ ويريد الرحيل، ولكنه لا يبرح مكانه أيضا.
أما جاكسون هول فهو منتجع تم اختياره منذ 1982 لانعقاد الاجتماع الأهم للبنوك المركزية فى شكل ندوة اقتصادية سنوية لمجلس الاحتياطى الفيدرالى بكانساس سيتى. وتعقد الندوة بانتظام فى النصف الثانى من شهر أغسطس من كل عام بحضور محافظى البنوك المركزية الكبرى، ووزراء للمالية واقتصاديين متخصصين من 70 دولة بدعوة خاصة، وبتغطية إعلامية من خارج القاعات. وتنتظر الأسواق هذا الملتقى كل عام لتستشف منه توجهات السياسات النقدية والمالية.
وقد درج العرف أن يستخدم رؤساء البنك الفيدرالى هذه الندوة لعرض توجهاتهم صراحة، أو ما يمكن أن يستشف من كلماتهم من توجهات. فقد أعلن بن برنانكى من خلال هذه الندوة فى عام 2010 عن إجراءاته للتيسير الكمى. وفى 2022 صرح جيروم باول عن إجراءات التشديد النقدى وما سيصاحب ذلك من ألم، وهو ما خفض البورصات بمقدار 3.5 فى المائة فى يوم واحد. ثم فى 2024 صدرت إشارات باول بتخفيض الفائدة، وبعدها تبين له فى عام 2025 أن الخوف من البطالة والركود أصبح أكبر من الخشية من التضخم بإنهاء ــ جاء متأخرا ــ لدورة التشديد.
وقد تم اختيار موضوع «الابتكار المالى وآثاره على نظم المدفوعات وسياساتها»، وهى أول مرة يحتل هذا الأمر اهتماما يجعله فى صدارة النقاش. والدافع لذلك هو تنامى دور الرقمنة والمشفرات فى المعاملات النقدية والمالية، بما فى ذلك تطور دور العملات المستقرة والأصول المالية المشفرة وما ينتظر منها خاصة بعد تفعيل «قانون جينيوس» الأمريكى الذى صدر فى عام 2025، ليبدأ العمل به فى يناير 2027، بما يمنح لأول مرة الإطار القانونى للعملات المستقرة والمشفرات إصدارا وتعاملا. وغدا، سيلقى الرئيس الجديد كيفين وارش كلمته بعد أسابيع من توليه منصبه واجتماعين برئاسته للبنك الأكبر تأثيرا على الصعيد العالمى.
ولكن ما حدث فى الأيام السابقة من تطورات فى الأسواق المالية وتقلبات حادة فى سوق السندات مصاحبة بمحاولات لم تحقق أهدافها بعد، يجعل الأسواق فى حالة ترقب، مع تواتر حديث عن أزمة هيكلية، وفى الأساس لن تعالجها إجراءات مقصورة على الأدوات النقدية. فمن المحاولات ما كان لتسكين سوق الصرف للين اليابانى بتدخل السلطات الأمريكية لمساندة الين ببيع اليورو، حتى لا تلجأ اليابان لبيع سندات أمريكية فيزيد سعرها انخفاضا، فيطالب الدائنون بأسعار أعلى للفائدة لشرائها؛ ولم تسفر هذه المحاولة إلا فى شراء بعض الوقت فهى لم تصلح مسببات الاختلالات، وأهمها ارتفاع الديون وممارسات تجارة الديون.
فضلا عن محاولات أخرى مفاجئة من قبل الخزانة الأمريكية لمساندة سوق السندات طويلة الأجل بإعادة شرائها مباشرة حتى لا تزداد مطالبات المستثمرين، أو بالأحرى الدائنين، لرفع أسعار الفائدة، على غير رغبة الإدارة الأمريكية فى تخفيض أسعار الفائدة سعيا لترويج الطلب ومساندة القطاع العقارى. وهذا الإجراء أيضا يمكن وصفه فى إطار محاولات بدت متعجلة إرجاء الأزمة وليس حلها بالتصدى لمسبباتها؛ من ارتفاع لعجز الموازنة، وتحليق الدين العام الأمريكى لنحو 40 تريليون دولار، بتكلفة هى الأعلى منذ 19 عاما.
ويأتى ملتقى «جاكسون هول» فى أجواء حرب أثرت سلبا على أسعار الطاقة وسلع رئيسية، وحرب أخرى تجارية بسبب التعريفة الجمركية كانت آخر معاركها مع كندا، مع ترقب لانتخابات نصفية للكونجرس. كما يأتى الملتقى، وهدفه الأساسى هو الحوار وتوضيح السياسات وعلاقتها بالأسواق، مع انزعاج المستثمرين من فاعلية تواصل الإدارة الاقتصادية الممثلة فى البنك الفيدرالى ووزارة الخزانة ومصداقيتها، خاصة بشأن قدرتها على السيطرة على التضخم الذى بلغ 3.4 فى المائة متجاوزا هدفه المعلن بمقدار 2 فى المائة، مع توقعات فى مسح أجرته صحيفة «فايننشال تايمز» من خلال جامعة شيكاغو، بأن الفيدرالى سيستغرق وقتا أطول لاحتواء التضخم تحت إدارة وارش. ويبدو أنه يحتاج لإقناع الأسواق والاقتصاديين برأيه عن أثر الذكاء الاصطناعى الإيجابى على التضخم والنمو، والأهم: كيف سيتحقق هدف التضخم مع التدهور فى أوضاع الديون والمالية العامة؟
دفاعا عن تثبيته لسعر الفائدة، يرفض وارش وصف القرار بأنه مجرد توقف عند وضع، ويطلق على هذه الفترة بأنها «فترة تفكير يقظ وليست فترة انتظار متمعن». وسواء كانت فترة تفكير أو مجرد انتظار فالأسواق تختبر مصداقية الإدارة وتسعر السندات على أساسها، وهى تفتقد ما اعتادت عليه من قبل من إشارات التوجيه المبكر للفيدرالى؛ إذ لا يوجد ما يعوض الإشارات بإطار مقنع للسياسات الاقتصادية يتجاوز تسويف الأزمات.
وعودة لانتظار جودو؛ إذ قال استراجون المتعجل: «لا يمكن الاستمرار هكذا!»، فرد عليه فلاديمير الهادئ بقوله: «هذا ما تظن!».
نقلا عن الشرق الأوسط