حـرب الخليج تفرض شرط القـــوة القــاهــرة على النقل البحــرى العالمى - أيمن النحراوى - بوابة الشروق
الأربعاء 26 أغسطس 2026 8:02 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

حـرب الخليج تفرض شرط القـــوة القــاهــرة على النقل البحــرى العالمى

نشر فى : الأربعاء 26 أغسطس 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الأربعاء 26 أغسطس 2026 - 7:00 م

الوضع المؤسف الذى تشهده حركة الملاحة البحرية بفعل الحرب الدائرة فى الخليج العربى، وفى ميدان آخر للحرب مثل البحر الأسود حيث يتم تبادل الهجمات بين روسيا وأوكرانيا ضد السفن وناقلات النفط والقمح، ألحقت جميعها أضرارًا جسيمة بالأوضاع الاقتصادية للعديد من الدول وسط حالة من الاضطراب فى مجال النقل والتجارة الدولية.

 


وفى مضيق هرمز الذى تعبره أكثر من 25% من صادرات النفط والغاز العالمية، تعانى الملاحة التجارية الدولية عبر المضيق منذ فبراير الماضى من ظروف الحرب المروعة بسبب الاعتداءات والهجمات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران التى ترد بالمثل، ولهذا السبب يُعتبر المضيق حاليًا أكثر النقاط البحرية خطورة وصعوبة فى العالم على حركة النقل البحرى العالمى.
وتشير إحصاءات المنظمة البحرية الدولية أنه منذ بدء العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران فى فبراير الماضى سجلت أعداد السفن العابرة لمضيق هرمز انخفاض حاد من 130 سفينة يوميًا إلى 11 سفينة فقط تمر بصعوبة وبتنسيق وإذن مسبق من البحرية الأمريكية والإيرانية.
وفى مضيق باب المندب الذى يمر عبره 20% من التجارة البحرية العالمية و30% من حركة الحاويات العالمية فى كلا الاتجاهين بين خليج عدن والبحر الأحمر، شهدت المنطقة أكثر من 100 هجوم على السفن البحرية التجارية، مع عدم إغفال أن المنطقة نفسها كانت فى السنوات السابقة مسرحًا لهجمات القرصنة البحرية، وقد دفعت هذه الأحداث شركات التأمين فى جميع أنحاء العالم إلى إعلان تلك المنطقة منطقة حرب وزيادة أقساط التأمين بشكل كبير لتغطية المخاطر ذات الصلة.
• • •
والمؤسف فى الأمر أنه رغم كل تلك الخسائر يأتى إعلان الرئيس الأمريكى أن الولايات المتحدة ستواصل توجيه الضربات لإيران، وأنه لا يكترث بما إذا كان الصراع سينتهى قبل الانتخابات الأمريكية للتجديد النصفى لأعضاء الكونجرس فى نوفمبر القادم أم لا، مؤكدًا أن الحصار الأمريكى للموانئ والسواحل الإيرانية يمثل جدارًا من الفولاذ مكّن واشنطن من التحكم فى مضيق هرمز فعليًا، وأنه قريبًا سيعلن مضيق هرمز إقليمًا تابعًا للولايات المتحدة.
الولايات المتحدة التى تبلغ ميزانيتها العسكرية السنوية قرابة التريليون دولار، لا تجد فى تلك الحرب أى مشكلة فهى فرصة طيبة للتخلص من مخزونات السلاح المتقادمة تكنولوجيًا، وإتاحة الفرصة لإبرام تعاقدات جديدة مع شركات المجمع الصناعى العسكرى الأمريكى، ولا بأس من عقد عدة صفقات بمئات المليارات لتصدير السلاح إلى الدول الخليجية المشترى المفضل للأسلحة الأمريكية.
وفى هذا الخضم ليست الولايات المتحدة بخاسر، فتلك الحرب هى محاولة كبرى منها ومن حليفتها إسرائيل لإخضاع إيران وإسقاط نظامها وإحلاله بنظام خاضع بديل، فضلًا عن اعتبارات موقع إيران الحاكم فى الخليج العربى ووسط وغرب آسيا وجنوب روسيا، وهو هدف جيوبوليتيكى أمريكى ثابت فمنذ سقوط نظام الشاه تسعى الولايات المتحدة لتحقيق أطماعها فى الجغرافيا السياسية الإيرانية من خلاله.
من جهة أخرى، فتلك الحرب تمثل فرصة كبرى لتعويق وعرقلة إمدادات النفط الإيرانى للصين التى تستورد كميات ضخمة منه بأسعار منخفضة، وقد تؤدى الهجمات والأضرار التى تلحق بإمدادات النفط والغاز للصين إلى إحداث تأثيرات سلبية على منظومة الطاقة البترولية فيها، كما تمتد التداعيات لتشمل ارتفاع تكاليف النقل البحرى والتأمين، الأمر الذى يضغط على شبكات الشحن وسلاسل الإمداد الواصلة إلى الأسواق الآسيوية والصينية ويقلل من قدراتها التنافسية.
والصين التى تدرك جيدًا أهداف الولايات المتحدة ومخططاتها تجاهها أمضت السنوات الـعشرين الماضية فى بناء وتجهيز احتياطياتها الاستراتيجية من النفط، استعدادًا لظروف مثل الأزمة الراهنة فى الشرق الأوسط، الأمر الذى أتاح هامش أمان استراتيجى ضخم قادر على تغطية الانقطاع الكامل لواردات النفط الخام من الشرق الأوسط لمدة تقارب 6 أشهر.
وفى الوقت نفسه، تتحمل الدول الآسيوية والأوروبية التى تستورد كميات كبيرة من النفط والغاز من الخليج العربى العبء الأكبر لارتفاع تكاليف الطاقة والمدخلات؛ حيث إن ما بين 25 و30% من النفط العالمى و20% من الغاز الطبيعى المسال يمر عبر مضيق هرمز، وبالتالى سيؤدى ارتفاع فواتير الوقود والكهرباء إلى زيادة تكاليف الإنتاج وتقليص القدرة الشرائية للأسواق.
ومع تعطل شحنات الأسمدة التى تمر 35% منها عبر مضيق هرمز، توالى فى الشهور الماضية ارتفاع الأسعار العالمية لإمدادات المحاصيل والمواد الغذائية، ومع استمرار ذلك الارتفاع فى أسعار الطاقة والغذاء ستتفاقم مستويات التضخم العالمى، مما سيزيد من اتساع عجز الميزان التجارى للدول المستوردة ويضع المزيد من الضغوط على العملات وموازين المدفوعات وزيادة تكاليف الديون.
• • •
الحرب التى تؤجج نيرانها منذ شهور إدارة الرئيس ترامب وإسرائيل لم تتسبب فقط فى خسائر اقتصادية كبرى لدول الخليج، بل اتسع نطاق تداعياتها لتشمل خسائر شركات النقل البحرى العالمى العاملة فى مجال نقل النفط والغاز والبضائع بفعل الهجمات والضربات التى تعرضت لها، مما استدعاها للمطالبة بتنفيذ أحكام القوة القاهرة، وهو مصطلح يصف الأحداث الخارجة عن السيطرة مثل الحروب والزلازل والبراكين والأعاصير، والتى تجعل من المستحيل القيام بأعمال التجارة والنقل، بما يعفى أطراف التجارة الدولية من إلتزاماتها القانونية التعاقدية.
وفى مجال النقل الدولى، قد يؤدى تطبيق بند القـوة القــاهــرة إلى تعليق أو إنهاء الالتزامات التعاقدية عندما يكون من الصعب أو من المستحيل الوفاء بالالتزام المحدد، وقد يتم تعليق الالتزامات حتى زوال الحدث، وإذا استمر حدث القـــوة القــاهــرة مما يجعل استمرار عملية النقل مستحيلًا، فيتم طلب إنهاء العقد دون عقوبات قانونية بناءً على أدلة كافية لإثبات ادعائه بالقـــوة القــاهــرة.
وقد تؤثر التداعيات الناتجة عن القـــوة القــاهــرة سلبًا على النقل البحرى وسلاسل التوريد العالمية، حيث قد تُحتجز السفن فى الموانئ أو تُرسى أو تُجبر على تغيير مسارها والتوجه إلى منطقة أكثر أمانًا بعيدًا عن الأعمال العسكرية، وفى الخليج العربى ومع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تم تفعيل بنود القـــوة القــاهــرة من قبل العديد من الشركات الملاحية وشركات ناقلات النفط الخام والغاز التى تبحر من وإلى الخليج العربى.
وللأسف فهذه جميعًا خسائر يتحملها الخليج العربى ودول الشرق الأوسط والاقتصاد العالمى وكل أطراف عمليات النقل والتجارة الدولية، باستثناء طرف واحد فقط فى تقديرنا أنه لم يتضرر قط، بل على النقيض تشير جميع الحسابات والتقديرات إلى أنه المستفيد الأكبر، إنه الولايات المتحدة.

أيمن النحراوى  خبير اقتصاد النقل والتجارة الدولية واللوجيستيات
التعليقات