الخريطة الشهيرة للوطن العربى التى نشأنا عليها وحفظنا أجزاءها عن ظهر قلب لدولنا العربية الشقيقة المتوحدة سياسيًا، المتجاورة جغرافيًا، باتت اليوم خريطة مفككة لدول تمضى فى محيط العلاقات الدولية كجزر منعزلة تعصف بها أعاصير السياسة والأطماع والمصالح الدولية، والوطن العربى بات اليوم فى حالة من التشرذم والاستنزاف غير المسبوق، لا يوجد مثيل لها فى أى منطقة أخرى من العالم، أو بين أى مجموعة من الدول.
الكوارث الراهنة التى يتعرض لها الوطن العربى، والتى بدأت بكارثة الغزو العراقى للكويت عام 1990، مرورًا بحرب الخليج التى استغلتها الولايات المتحدة والقوى الغربية لتدمير العراق واحتلاله والسيطرة على مقدراته وموارده وثرواته، تلتها كوارث متعددة، آخرها اتفاقات بفعل الضغط الأمريكى للتطبيع مع الكيان الصهيونى، بصرف النظر عن استمرار احتلاله للأراضى العربية السورية واللبنانية والفلسطينية.
• • •
وفى تقديرنا أن الولايات المتحدة تتحمل جانبًا كبيرًا، إن لم يكن المسئولية الرئيسية، عن اهتراء تلك الخريطة وقرب تمزقها، وما يؤكد ذلك هو الأوضاع المتردية الراهنة فى الخليج العربى بتوريطه مؤخرًا فى أتون حرب ضروس، رغم تكبده تكاليف باهظة للإنفاق على القواعد العسكرية المقامة بغرض الدفاع عنه وحمايته، إلا أن الولايات المتحدة تجاوزت ذلك وحولتها من قواعد عسكرية دفاعية إلى قواعد هجومية للعدوان والحرب على إيران، خدمةً للأهداف الأمريكية والإسرائيلية.
وليس الأمر بالعسير على الولايات المتحدة فى القيام بذلك، وهى الدولة صاحبة الأربعمائة حرب وصراع وتدخل عسكرى منذ تأسست، والأمر بالنسبة لها فى الخليج العربى هو مخطط لإخضاع وإسقاط إيران والسيطرة على مضيق هرمز والتحكم فيه، ولا بأس فى ذلك طالما سيتم استهلاك مخزونات الأسلحة الأقدم تكنولوجيًا، وتنشيط تعاقدات تسليح جديدة بمليارات الدولارات لخدمة المجمع العسكرى الصناعى الأمريكى وصادرات السلاح الأمريكية.
• • •
تداعيات الحرب الراهنة فى الخليج تفاقمت لتعيد تأجيج الصراع الداخلى اليمنى، وتعيد وتيرة النزاع السعودى اليمنى، ثم أخذت تلك التداعيات منحى جديدًا بعد تعرض عدد من مراكز ومعسكرات الحشد الشعبى فى العراق لضربات سعودية أمريكية، وجميعها أمور ذهبت بالمنطقة إلى منعطفات خطيرة وتداعيات مروعة.
الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران أحدثت أزمة غير مسبوقة فى اثنين من أهم المضائق الملاحية فى العالم، مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وسببت اختناقًا غير مسبوق فى سلاسل الإمداد العالمية بالنفط والغاز والبضائع، لينعكس أثر ذلك على حركة عبور قناة السويس، وباتت اقتصادات الدول تدفع ثمنًا باهظًا للوقائع السياسية الجارية، فضلًا عن التجارة الدولية التى باتت تعانى من ارتفاع أسعار الشحن الدولى والتأمين على السفن والناقلات.
الأوضاع فى مضيق باب المندب لا تتعلق فقط باليمن، بل تجاوزتها إلى مخاطر متصاعدة مع مطامع إثيوبيا فى الأراضى الصومالية للحصول على منفذ بحرى، وكذلك ظهور كيان أرض الصومال المزعوم ليهدد وحدة وسيادة الأراضى الصومالية، وليفتح المجال واسعًا أمام الكيان الصهيونى للتواجد فى خليج عدن ومضيق باب المندب، وتعزيز وجوده فى تلك المنطقة الاستراتيجية، وهى المدخل الجنوبى للبحر الأحمر وقناة السويس.
• • •
تأمل أجزاء الخريطة المنكوبة يبين أن الأوضاع فى سوريا ولبنان وفلسطين ليست بأفضل منها فى الخليج العربى، فما هو قائم فى سوريا اليوم ليس إلا النتيجة الحتمية لنجاح مخطط إسقاط الدولة السورية وتلاشى جيشها الوطنى وتفكيك منظومة الاقتصاد السورى، فضلًا عن نذر الفتن الطائفية التى باتت تلوح من بعيد بين مكونات الشعب السورى وتنذر بما لا يُحمد عقباه.
وبالطبع كان المستفيد الأكبر من المشهد السورى الحالى هو الكيان الصهيونى، الذى استغل الأحداث خلال العامين الماضيين لتوسيع التوغلات العسكرية الإسرائيلية فى الجنوب السورى واحتلال مرتفعات جبل الشيخ وهضبة الجولان، وتوسع التمركزات الإسرائيلية فى مناطق ريف دمشق ودرعا والقنيطرة والسويداء والاستيلاء على أراضيها، بحيث باتت إسرائيل فى وضع مهيمن بالكامل على الجنوب السورى، بما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية وأمنية خطيرة.
أما عن لبنان، فقد بات مستباحًا لإسرائيل التى ترسم فيه خطوط عدوانها منذ الخط الأخضر لعام 1949، مرورًا بالخط الأزرق فى عام 2000، واليوم رسمت إسرائيل خطًا جديدًا هو الخط الأصفر بعمق من 10 إلى 18 كم، ممتدًا من رأس الناقورة إلى سلسلة جبال لبنان الشرقية، بحيث فصلت فيه إسرائيل 55 قرية حدودية لبنانية عن باقى الأراضى اللبنانية، وباتت حدودها الشمالية هى نهر الليطانى، والكارثة أن الخارجية الإسرائيلية نشرت خريطة بالأمس مبينة تلك المناطق اللبنانية ضمن حدود الكيان الغاصب.
وبالنسبة لفلسطين، وهى الفريسة الرئيسية لإسرائيل، فالوضع فيها بات أكثر تدهورًا بعد قرارات حكومة الكيان الصهيونى بتوسيع نطاق المشاريع الاستعمارية وتوسيع المستوطنات ومصادرة الأراضى الفلسطينية فى الضفة الغربية ورصد تمويل هائل لمشروعات تهويد القدس والقضاء على الوجود الفلسطينى فيها، مع اقتطاع ما يزيد على نصف مساحة قطاع غزة وراء الخط الأصفر الذى رسمته إسرائيل فيها بدعاوى وذرائع أمنية وتوسعية.
• • •
التأمل فى خريطة الوطن العربى سيصل بنا إلى السودان ومصر، حيث وصلت المخاطر الناتجة عن السياسات العدوانية لإثيوبيا إلى درجة غير مسبوقة، ظهرت آثارها جلية بعد انحسار مياه نهر النيل فى السودان بصورة مروعة لم تبالِ بها الحكومة الإثيوبية التى أعلنت عن مشروعات لبناء ثلاثة سدود جديدة، لتضيف مصيبة جديدة إلى مصائب السودان الذى مزقته وأنهكته الأطماع الدولية والصراعات.
ومن السودان إلى ليبيا التى ما زالت تشهد حالة من التخبط وعدم الاستقرار، بعد أن باتت البلاد محطًا لأطماع القوى الكبرى والإقليمية فى ثرواتها من النفط والغاز.
وإلى المغرب العربى الذى ما زالت النزاعات وتباينات وجهات النظر بين قطبيه الجزائر والمغرب تلقى بظلالها عليه بصورة مؤسفة.
• • •
رغم كل ما سبق، سيتحتم علينا الحفاظ على خريطة الوطن العربى والحيلولة دون تمزقها مهما حدث، سيتحتم علينا ذلك شئنا أم أبينا، إذ يبقى الأمن القومى العربى مسألة استراتيجية سياسية وجغرافية واقتصادية لا جدال بشأنها، وإلا كانت العواقب وخيمة.
أستاذ ومستشار الاقتصاد الدولى واللوجيستيات