أمن الخليج.. الذكاء الاصطناعى وحده لا يكفى! - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الخميس 1 أكتوبر 2026 8:48 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

أمن الخليج.. الذكاء الاصطناعى وحده لا يكفى!

نشر فى : الخميس 1 أكتوبر 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الخميس 1 أكتوبر 2026 - 7:20 م

خلال السنوات القليلة الماضية، راهنت الدول الخليجية لأسباب عديدة على تكنولوجيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، وهى خطوة اعتُبرت بمثابة تحوط مستقبلى لمرحلة ما بعد النفط والغاز. واعتبرت الأدبيات الخليجية أن الاستثمار التكنولوجى يعكس تنوع مجالات الاستثمارات، وأُطلقت استراتيجيات «2030»، حيث تم التعبير عن الاستثمار فى الذكاء الاصطناعى كمحرك للنمو الاقتصادى ومصدر للوظائف المستقبلية. وسهّل توافر مصادر الطاقة الرخيصة بكميات ضخمة، من جاذبية فكرة بناء مراكز البيانات الضخمة. ومنحت حقيقة صغر عدد سكان تلك الدول جاذبية لتبنى تطبيقات الذكاء الاصطناعى، أملا فى رفع مستوى الأداء الاقتصادى الرقمى، والاستثمار فى الثروة البشرية المحلية. كما اهتمت تلك الدول بما يعنيه ذلك لقوتها الناعمة إقليميًا وعالميًا، حيث توقعت أن يدفعها الاستثمار التكنولوجى إلى مصاف الدول الرائدة فى هذه التكنولوجيا الحديثة والاستراتيجية فى الوقت ذاته.


وبرزت الرياض وأبو ظبى والدوحة، بصورة أكثر من غيرها من عواصم الخليج، فى ضخامة استثماراتها المباشرة وغير المباشرة فى المستقبل الرقمى. وعقدت العديد من الشراكات مع كبريات الشركات المطورة للذكاء الاصطناعى مثل OpenAI وNvidia وAmazon وOracle وCisco. وضخت صناديق الاستثمار الخليجية أكثر من تريليون دولار، سواء فى صورة استثمارات مباشرة فى كبريات الشركات التكنولوجية، أو فى تأسيس بنية تحتية محلية تكنولوجية كبيرة. وتأمل النخب الخليجية أن يصبح الخليج ثالث أهم مراكز العالم، بعد الولايات المتحدة والصين، فى الذكاء الاصطناعى.


• • •
فور شن الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما المشتركة على إيران فى 28 من فبراير الماضى، وجدت دول الخليج العربية نفسها عرضة لهجمات إيرانية، وبعد سبعة أشهر من القتال، ومع اضطراب حركة الملاحة فى مضيق هرمز بصورة كبيرة، وتصاعد التوتر مؤخرًا بفتح الحوثيين جبهة جديدة ضد المملكة العربية السعودية، وسيطرتهم على مضيق باب المندب، تواجه دول الخليج أسئلة صعبة وجديدة حول تموضعها الاستراتيجى، وشبكة تحالفاتها العسكرية، وعقيدتها الأمنية.


فى الوقت ذاته، لم يقتصر دور الذكاء الاصطناعى فى الحرب الأمريكية على إيران على استخدام تطبيقاته فى ساحة القتال. وتشير تقديرات أمريكية إلى استهداف أكثر من 13 ألف هدف داخل إيران خلال أول 38 يومًا فقط من القتال، بما يستبعد معه خبراء عسكريون صعوبة تنسيق الهجوم على هذا العدد الضخم من الأهداف بدون مساعدة آلية متمثلة فى تطبيقات ونماذج الذكاء الاصطناعى.

فى الوقت ذاته، وبعد يومين من بدء القتال، استهدفت طائرات بدون طيار إيرانية منشآت تابعة لمراكز خوادم (سيرفرز) شركة أمازون فى دولتى الإمارات والبحرين، حيث اعتبرت طهران مراكز أمازون امتدادًا للقوة العسكرية الأمريكية. وقبل أيام، أقرت خدمة AWS السحابية لشركة أمازون بأن بعض بيانات العملاء المخزنة فى منشآتها فى البحرين والإمارات قد فقدت بشكل دائم. ومن جانبها، ضربت الولايات المتحدة مركز بيانات إيرانيًا ردًا على ذلك.

وتعد هذه الهجمات الأولى فى التاريخ التى يتم فيها استهداف مراكز البيانات بصورة عسكرية مباشرة على يد الصواريخ والمسيرات المدمرة، بعدما اقتصرت التهديدات لسنوات على القراصنة البعيدة (الهاكرز). ومع وجود ما لا يقل عن 233 مركز بيانات فى دول الخليج، أكدت الحرب الجارية مدى ارتباط المنطقة جغرافيًا بسلسلة توريد الذكاء الاصطناعى العالمية، وعلى سبيل المثال، تنتج قطر وحدها أكثر من ثلث الهيليوم العالمى، وهو المادة الضرورية لتصنيع أشباه الموصلات، وأدى الاضطراب فى صادراتها إلى اضطراب فى عملية تصنيع أشباه الموصلات، والتى تعد بمثابة العمود الفقرى لهذه التكنولوجيا.


• • •
يمر الشرق الأوسط بلحظة فارقة غير متوقعة يتلاشى فيها النظام القديم ليحل محله نظام جديد لم يتشكل بعد. ولا يعرف أحد طبيعة أو شكل الشرق الأوسط الذى سيكون عليه بعد عام من الآن، ولا يعرف أحد كيف ومتى ستنتهى الحرب الإيرانية. إلا أنه من المؤكد أنه سيتم التعامل مستقبلًا مع البنية التحتية للذكاء الاصطناعى كبنية تحتية للأمن القومى لكل دول الخليج. وسيزداد اللجوء للذكاء الاصطناعى لدعم المنظومات الدفاعية العسكرية والهجومية كذلك، بما فيها الدفاعات الجوية ومضادات الطائرات المسيرة بدون طيار المتكاملة.


إلا أن الذكاء الاصطناعى وحده لن يوفر الأمن للدول الرائدة فيه، وسيظل أمن المنطقة مرتبطًا بإدارة مضيق هرمز. ولن يمنح الاعتماد على الذكاء الاصطناعى، ولا السيطرة على البيانات والحوسبة والخوارزميات، الهيمنة لدول الخليج على المنطقة العربية، حيث أثبتت الحرب الحالية أن الذكاء الاصطناعى وحده لا يكفى.


• • •
فى عام 2018، أصدر المفكر الإماراتى عبدالله عبدالخالق كتابًا بعنوان «لحظة الخليج فى التاريخ العربى المعاصر»، جادل فيه بانتقال مركز الثقل الأساسى للمنطقة العربية من مراكزه التاريخية كالقاهرة وبغداد ودمشق، إلى دول الخليج العربى، بما ينقل معه مراكز الثقل إلى الرياض وأبو ظبى والدوحة. واستشهد الكاتب الإماراتى بقدرات الخليج المالية والاقتصادية، وقدرة النخب الخليجية على ترجمة ذلك لتقود المنطقة العربية وتوجه مساراتها فى المجالات السياسية والدفاعية والثقافية.

وتزامن ذلك مع ضخامة الاستثمارات الخليجية فى الذكاء الاصطناعى، لاتساع الفجوة الرقمية بين دول الخليج التى تملك رأس المال والطاقة، وبين بقية الدول الهشة منها مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، والمستقرة مثل مصر ودول المغرب العربى. وعبر الكثير من الخبراء العرب والغربيين عن أننا بالفعل نقترب من لحظة الخليج.


إلا أن الحرب الإيرانية، والهجمات على المدن الخليجية، وهجمات الحوثيين على المملكة العربية السعودية، ومن قبلها على دولة الإمارات العربية المتحدة قبل سنوات، توحى بضعف الهيكل العسكرى الدفاعى الخليجى حتى مع توفر مظلة أمنية أمريكية، اعتبرها أغلب الخبراء والمحللين كافية ورادعة بصورة كافية. وتهدم تطورات الأشهر الأخيرة حلم الدكتور عبدالله عبد الخالق، أو على أقل تقدير أجلته لعقود قادمة، حيث لا يمكن لدول لا تضمن حمايتها وتُنتهك أجواؤها أن تقود الشرق الأوسط المثقل بتعقيدات أزماته، واتساع الفجوات بين شعوبه، ناهيك عن عبء التاريخ المشترك.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات