أن تكون مسلمًا أمريكيًا فى عهد ترامب - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الخميس 29 أكتوبر 2026 8:34 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

أن تكون مسلمًا أمريكيًا فى عهد ترامب

نشر فى : الخميس 29 أكتوبر 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الخميس 29 أكتوبر 2026 - 7:41 م

اهتزت حياة ما يقرب من 6 ملايين أمريكى مسلم (1.7% من إجمالى سكان الولايات المتحدة) بصورة دراماتيكية خلال العام الأخير، أى بعد ربع قرن على وقوع هجمات 11 سبتمبر عام 2001. وشهد العام الأخير تناقضات حادة؛ فمن ناحية، انتخبت مدينة نيويورك زهران ممدانى كأول عمدة مسلم لها، وانتخبت ولاية فيرجينيا السيدة غزالة هاشمى كأول امرأة مسلمة تتولى منصب نائب حاكم الولاية، وهى المرة الأولى التى يتم فيها انتخاب مسلم على مستوى الولاية، وفى ميشيجان، قد يصبح عبدالله السيد (عبدول) أول سيناتور أمريكى مسلم. ومن ناحية أخرى، أصبحت الساحة السياسية والإعلامية هى الأكثر عدائية فى سياساتها وخطابها المتعلق بالإسلام والمسلمين، مع ارتفاع حوادث وحالات الإسلاموفوبيا، خاصة مع اقتراب حسم انتخابات الكونجرس فى الثالث من نوفمبر.
•••
تبنى الرئيس دونالد ترامب سياسات عدائية منذ وصوله الأول للحكم، وبدأها بالدعوة لحظر كامل لدخول مواطنى عدة دول إسلامية إلى الأراضى الأمريكية. ثم عمل ترامب على استقطاب الناخبين العرب والمسلمين فى ولايات هامة كميشيجان وبنسلفانيا مستغلا إحباطهم من إدارة جو بايدن بشأن الإبادة الجماعية فى قطاع غزة. وعادى ترامب النائبتين المسلمتين فى مجلس النواب، إلهان عمر ورشيدة طليب، وهما مواطنتان أمريكيتان، وطالب بعودتهما من حيث أتتا. ولا يتوقف ترامب عن مهاجمة المرشح عبدول، ويصفه بالجهادى والمتطرف والإرهابى، وبالانتماء لجماعات إرهابية. وفى مؤتمر انتخابى حاشد فى ولاية جورجيا الأسبوع الماضى، قال ترامب إنه إذا لم تكن متأكدا من اسم شخص من الشرق الأوسط، فعليك أن تخمن «محمد»، وذكر ذلك بصورة ساخرة. ولا تتردد إدارة ترامب فى دفع إدارة الهجرة الفيدرالية لاستهداف الصوماليين الأمريكيين خاصة فى ولاية مينيسوتا، فى الوقت الذى تُعامل فيه أصحاب الخطاب المؤيد للفلسطينيين كتهديد أمنى، مما أدى إلى اعتقال العديد من الطلاب والنشطاء، ومن أهمهم طالب جامعة كولومبيا محمود خليل.
ومع استعار حدة الخطاب الانتخابى لانتخابات الكونجرس، حذرت إعلانات الجمهوريين التلفزيونية فى عدة ولايات من «الإسلام المتطرف» و«فرض الشريعة الإسلامية». ورصد مركز دراسة الكراهية المنظمة أكثر من 1,100 منشور من 46 مرشحا جمهوريا تستهدف المسلمين الأمريكيين بالتمييز أو بنظريات المؤامرة. وبسبب وصوله لخط النهاية فى انتخابات مجلس الشيوخ، أصبح عبدالرحمن السيد محور الهجمات الجمهورية؛ إذ وصفه نائب الرئيس جى دى فانس بأنه «شرير جدا» واتهمه بالدفاع عن الإرهاب، فى حين صنفت ولايتا تكساس وفلوريدا مؤسسة «كير» (مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية) ــ وهى منظمة حقوقية تدافع عن حقوق مسلمى أمريكا ــ منظمة إرهابية.

• • •

من ناحية أخرى، تشهد أمريكا تحولا إيجابيا مستمرا منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023. فقد أفاد معهد «جالوب» أنه ولأول مرة منذ أن بدأ فى إجراء الاستطلاعات عام 2001 حول نسب تعاطف الأمريكيين مع الفلسطينيين والإسرائيليين، عبرت نسبة أكبر من الأمريكيين عن تعاطفها مع الفلسطينيين (41%) مقارنة بالإسرائيليين (36%). وقبل ثلاث سنوات كانت النسب مختلفة تماما، حيث كان الإسرائيليون متقدمين بأكثر من 20 نقطة. كما وصل الدعم لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة إلى 57%، وهو أعلى مستوى فى تاريخ هذا الاستطلاع. فى حين أن الأمريكيين فوق سن الـ 55 لا يزالون أكثر تعاطفا مع الإسرائيليين، والتعاطف مع الفلسطينيين لا يترجم بالضرورة إلى عداء لإسرائيل.
وبالنسبة للعديد من المسلمين الأمريكيين، الذين شعروا منذ زمن طويل أن قلقهم على غزة وضعهم على هامش الثقافة السياسية الأمريكية، تعد هذه الأرقام دليلا على تغير مجتمعى هام، وإن كان لم يصل بعد لمستوى السياسات الرسمية. وهذا تطور لافت للنظر؛ إذ يساعد هذا التحول فى تفسير كلٍّ من تزايد ثقة المسلمين السياسية من ناحية، وعدائية ردود الفعل السلبية ضدهم من ناحية أخرى. وعندما تنتقل المشاعر المؤيدة للفلسطينيين من احتجاجات الحرم الجامعى إلى أوساط الناخبين، يصبح المرشحون المسلمون الذين يعبرون عنها أكثر قابلية للفوز، وبالنسبة لخصومهم أكثر تهديدا.
•••
أن تكون مسلما أمريكيا فى عام 2026 يعنى أن تتوقع واقعين: الأول مظلم يتمثل فى القلق من سلوك عنصرى أو إهانة عابرة، أو أن تشاهد وأولادك إعلانا تلفزيونيا يشيطن عقيدتك ويشكك فى وطنيتك وأمريكيتك، أو أن تستهدفك أجهزة إنفاذ القانون بسبب مواقفك السياسية. والواقع الثانى مشرق؛ فمع وصول مرشح لعتبة مجلس الشيوخ، واقتراب 7 مرشحين من عضوية مجلس النواب، وعشرات المرشحين لمناصب فى العديد من الولايات، لم يعد المسلمون الأمريكيون مجرد متفرجين؛ بل هم مواطنون وناخبون ومنظمون ومرشحون، وبشكل متزايد، أصبحوا جزءا من الجدل العام حول من هو الأمريكى.
قبل ربع قرن، لم يتخيل أحدٌ من أبناء مسلمى أمريكا أن يُعيد يوم 11 سبتمبر تشكيلَ حياتهم السياسية والاجتماعية والأمنية لعقود قادمة. فبين ليلة وضحاها، تحول مسلمو أمريكا من أفراد عاديين يمارسون حياتهم كأى أمريكيين آخرين، إلى موضع شك واتهام جماعى لم يسبق له مثيل فى التاريخ الأمريكى الحديث. واليوم، بعد خمسة وعشرين عاما، تبدو المفارقة صارخة: فالجالية نفسها التى وُضعت تحت المراقبة وشبكة من الشكوك، تقف الآن أمام أكبر فترة صعود سياسى فى تاريخها.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات