عن «عائشة بكار» وهوى الفتى «المصرى» وجالية «بلاده» فى بيروت (١ من ٣) - إبراهيم العريس - بوابة الشروق
الخميس 29 أكتوبر 2026 8:35 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

عن «عائشة بكار» وهوى الفتى «المصرى» وجالية «بلاده» فى بيروت (١ من ٣)

نشر فى : الخميس 29 أكتوبر 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الخميس 29 أكتوبر 2026 - 7:15 م

عندما أدرج الكاتب المصرى الكبير الراحل جلال السيد اسم الفتى الذى نتحدث عنه هنا ضمن إطار من أسماهم «الذين يسيئون إلى مصر» فى مقال له فى «الجمهورية» فى ذلك الحين، لمجرد أن ذلك الفتى انتقد إقدام دار الهلال على ترجمة ونشر رواية للبنانى أمين معلوف دون إذن هذا الأخير، استنفر عدد من الكتاب المصريين للتصدى لذلك المقال، موضحين للسيد فى غداء جمعوه فيه مع الفتى نفسه فى القاهرة، ارتباط هذا الأخير بمصر وثقافتها، هو الذى يقول دائمًا إنه يعتبر نفسه ابن ثقافتين، المصرية والفرنسية، رغم أنه لبنانى الهوية.

يومها، وفى خضم الحديث الودى الذى ساد اللقاء، لم يتطرق الفتى إلى أمر كان يتوخى دائمًا الحديث عنه لكنه يسهو عن ذلك، ويتعلق تحديدًا بإجابته المؤجلة على سؤال غالبًا ما طُرح عليه من جانب الرفاق المصريين، ولكن من جانب الرفاق الآخرين أيضًا: ما الجذور الحقيقية لهواه المصرى؟
ولسوف تأتى الإجابة، ولو بشىء من الاختصار، قبل أيام فى ندوة أقيمت فى إحدى قاعات نقابة الصحفيين فى القاهرة، دُعى إليها الفتى - وقد تضاعفت سنه مرات عديدة منذ لقاء الغداء الذى لا يُنسى - بالصدفة مع أنها دارت من حول كتاب لم يكن قد قرأه للكاتب الصديق سعد القرش، «مصر التى…». وهكذا، بعد أن أوضح الفتى أنه هنا بالصدفة وأنه حتمًا سيقرأ الكتاب قريبًا، ولو تضامنًا مع عنوانه المغرى، وجد الفرصة سانحة، ولو لدقائق قليلة، ليوضح أخيرًا «سر ذلك الهوى» وكيف استيقظ لديه انطلاقًا من عنوان كتاب الصديق المبدع.

ولما كانت الدقائق المتاحة فى الندوة لا تسمح بأكثر من إيجاز للحكاية، ها هو كاتب هذه السطور يحكيها للمرة الأولى فى حياته هنا، فى هذا المكان المصرى بامتياز، متحدثًا فيه للمرة الأولى عن سر «مصريته».

«أنا وُلدت، كما يروى الفتى، فى منطقة شعبية تقع غربى بيروت وتُسمى باسم سيدة هى عائشة بكار. تقول الحكاية إنها كانت ثرية بالزواج من أصول مغربية، وكانت من أوائل الذين أقاموا فى تلك المنطقة وعمّروا فيها، وكانت من فاعلات الخير المؤمنات… إلى آخر الحكاية. غير أن ما يفوت تلك السردية الطيبة هو أن السيدة بكار لم تكن أول المقيمين البناة هناك، بل كان هؤلاء فى حقيقة الأمر من المصريين، كما ستفيدنا الحكاية التالية».

تبدأ الحكاية مع ما كان يمكن أن نلاحظه فى يافطات معظم المحلات المنتشرة على جوانب شوارع الحى وأزقته، وتحمل أسماء لم يكن أحد ليستغرب، على أية حال، أنها مصرية خالصة وتنتمى إلى مدن مصرية معروفة بكل وضوح: «كاراج الدمياطى»، أو «بقالية الإسكندرانى»، أو «حلويات الرشيدى»، أو «ستديو المصرى» وما إلى ذلك، بحيث إن الغالبية العظمى من المحلات والدكاكين تُنسب هنا إلى مدن مصرية دون أن يثير الأمر استغراب أحد.

ولقد وعى الفتى منذ طفولته على ذلك الواقع الذى تلقاه كالبديهة أول الأمر. وهو بالتالى، كما حال أبناء ذلك الحى البيروتى الشعبى جميعًا، لم يطرح على نفسه ولا على الآخرين أى سؤال فى صدده. وهو حتى حين ازداد وعيه، إذ كان احتفال كبير برمضان مبكرًا فى حياته، أول ما شهده من احتفالات جماهيرية كبرى، يتحلّق حينها من حول المقرئ المصرى الشهير الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، لم يسائل نفسه حول ذلك الأمر.

ثم فى الحيز الأصغر، الحيز العائلى، حيث إن الفتى متحدر من أسرة فنية لأب كان من مؤسسى المسرح والسينما فى لبنان، وسيدة بيت، هى زوجة أبيه، فنانة كبيرة، لم يثر استغراب فَتانا أن المجلة الوحيدة التى كانت تُشترى أسبوعيًا لم تكن سوى مجلة الإذاعة المصرية، الأسبوعية التى تصل بلهفة إلى يدى ربة المنزل لتنفق هذه ساعات وهى تقرأها وتعلّم بالقلم الرصاص على البرامج التى سوف تستمع إليها طوال الأسبوع المقبل، سواء عبر الإذاعة الرسمية المصرية أو عبر «صوت العرب»، بل حتى عبر أثير «البرنامج الثانى». ولنضف هنا أن الفتى كان يقلب بدوره فى المجلة ليتوقف عند البرنامج الثانى ويختار لمذياعه البسيط برامج موسيقية ومسرحية من… ذلك البرنامج الثانى الذى لا بد من التأريخ له يومًا، بوصفه واحدًا من أعظم التجارب العربية فى مجال بث البرامج الثقافية التى كوّنت أجيالًا من المثقفين العرب.

ولنقل هنا بأن هذا كله بدا للفتى طبيعيًا وجزءًا من الحياة اليومية، وبخاصة أن ربة المنزل كانت هى نفسها من أصول مصرية بعيدة، وأن الأب الفنان كان قد عاش فى مصر سنوات سابقة من حياته وتشرب بفنونها وحياة فنانيها. ومن هنا ربما بدا للفتى أمرًا طبيعيًا أن يكون الجو المخيم على البيت جوًا مصريًا، وكان من مكاسبه أن الفتى تعرّف إلى العالم وثقافاته وفنونه عبر حرصه على متابعة «البرنامج الثانى». لكن هذا شىء، وأن يكون الجو المصرى منتشرًا على واجهات المحلات التجارية وفى السهرات الرمضانية، أمر آخر تمامًا. وكذلك كان أمرًا آخر ما سوف يكتشفه الفتى لاحقًا فى صباه المبكر من أن معظم العازفين فى الفرقة الموسيقية للإذاعة اللبنانية، ولكن كذلك لإذاعة الشرق الأدنى ثم البى بى سى الإنجليزيتين، كانوا من جيرانه فى الحى». فالمزيّن كان عازف طبلة، وأصحاب الاستديو الفوتوغرافى الوحيد كانوا عازفى الكمان الرسميين فى الإذاعات المذكورة. وحتى بائع الخضار كان يتوجه ليلًا، وبعد انتهاء عمله فى تجارته النهارية، إلى الملاهى فى منطقة الزيتونة القريبة ليتحول عازفًا على آلة الأكورديون… يعزف خلف راقصة هى خلال النهار سيدة بيت تُعرف بلقب «اليهودية!»… إلخ.

بالنسبة إلى الفتى، كان لا بد أن يأتى يوم يزداد فيه تراكم تلك المؤشرات ليثير استغرابه وحيرته، ويدفعه إلى البحث فى جذور ذلك الحضور المصرى الذى راح يبدو له متجاوزًا، ومن بعيد، حدود الانتشار المصرى الذى كان يتوسع أكثر فأكثر، ولكن ليس فى بيروت وحدها، ولا حتى فى لبنان بمفرده، بل فى شتى أرجاء المدن اللبنانية والمناطق العربية. فالحال فى بيروت، وتحديدًا فى «عائشة بكار»، راحت تبدو ذات خصوصية لا بد من سبر غوامضها. وهذا ما سيفعله فَتانا حين يتقدم به العمر ويجد فى الأمر مفاجآت كثيرة تنتظره، كما سيتابع الحكاية فى جزء ثانٍ من هذا السرد.

إبراهيم العريس إبراهيم العريس
التعليقات