ذكريات حول محمود درويش والشعر الكبير والغناء السياسى (٣ من ٣) - إبراهيم العريس - بوابة الشروق
الخميس 1 أكتوبر 2026 8:48 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

ذكريات حول محمود درويش والشعر الكبير والغناء السياسى (٣ من ٣)

نشر فى : الخميس 1 أكتوبر 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الخميس 1 أكتوبر 2026 - 7:25 م

خلال واحدة من تلك الجولات الطويلة فى سيارتى، والتى كانت تقودنا محمود درويش وجوزيف سماحة وأنا إلى مناطق متنوعة من الضاحية الباريسية، أيام إقامتنا المشتركة فى باريس عاملين معًا فى مجلة «اليوم السابع» الفلسطينية، وأوصلتنا فى ذلك اليوم، على غير توقع، إلى غابة باربيزون، سألنا محمود، دون مقدمات، عما نعرفه عن شعر «التروبادور»، ولا سيما الإسبانى الأندلسى منه. أجبناه حينها بإسهاب مشترك، تحول شاعرنا معه، وبعد أن تمعن فى ما قلناه، إلى التساؤل عما إذا كان يمكننا أن نربط شعر التروبادور، بالأسلوب «الرائع» الذى يلقى به شعراء يعرفهم جيدًا من طينة ماياكوفسكى وألكسندر بلوك، وصولًا إلى يفتوشنكو، قصائدهم إلقاءً مموسقًا أمام جمهور عريض كان يزداد عددًا وحماسةً جلسة بعد الأخرى، رددنا سماحة وأنا بالإيجاب، مع لفت نظره إلى أن شعر التروبادور عادةً غرامى رومانسى، بينما شعر الروس سياسى يكاد يكون وجوديًا.

 

وواصلنا النقاش حينها حول هذا الموضوع طوال الجولة. وكان ما لاحظته فى ذلك الحين أن درويش بدا منشغلًا بالأمر فى وقت كان يضع فيه لمساته الأخيرة على قصائد مجموعته التى ستصدر بعنوان «لماذا تركت الحصان وحيدًا». كما أن ذلك أتى فى وقت كان يستعد فيه للعودة إلى بيروت، حيث ينتظره مهرجان شعرى من المتوقع له، بحسب جوزيف سماحة على الأقل، أن يكون حافلا و«يخدم» كقياس لما تبقى من شعبية فى لبنان للقضية الفلسطينية بعد خروج منظمة التحرير وعرفات ودرويش فى ركابهما، من ذلك البلد الذى عانى كثيرًا من «حروب الآخرين على أرضه»، بحسب ما قال درويش حينها متحسرًا.. ولقد كان من الطبيعى أن يقودنا ذلك إلى حديث الأغنية السياسية، التى بدا واضحًا أن شاعرنا كان يهجس بها لدى سؤالنا عن «التروبادور»، وذلك بوضوح لأن واحدًا من المعلقين البلهاء على تلك الأغنية فى صحيفة أكثر بلاهة، منه، أشاد بالغناء السياسى مشبهًا إياه بشعر التروبادور!

 

هنا، على الفور وإلى سبيل المزح، وربما المناكفة أيضًا، سألت رفيقى فى الجولة عما إذا كانا يحبان أن نسمع بعض ذلك الغناء نفسه، فصرخ الاثنان بصوت واحد: «أعوذ بالله!»، قبل أن يطلب منى جوزيف سماحة أن أريه ما عندى من شرائط من ذلك النوع فى السيارة. ناولته بالفعل شريطين كانا كل ما عندى، فقبض عليهما بقوة ورماهما من نافذة السيارة بغضب ونفور، وصفق له درويش محبذا.

 

إثر هذا، سألنى جوزيف عما إذا كان عندى شرائط لفايزة أحمد، بينما طلب محمود درويش شرائط لشادية. وكان عندى بالفعل عشرات الشرائط للاثنتين، ناهيك عن شرائط لليلى مراد ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم ونجاة الصغيرة وأسمهان. وهكذا، فيما رحنا نستمع طوال ما تبقى من رحلة العودة إلى خليط من ذلك كله، اندلع النقاش بيننا حول هذا النوع من الغناء العربى، مع إطلالات على فيروز وماجدة الرومى التى كانت فى أول رحلتها الفنية عند ذلك…

 

وفى موازاة النقاش، وطوال ما يزيد على الساعة، استمعنا إلى مقتطفات كثيرة من ذلك الغناء الذى اكتشفنا من جديد مقدار ما نحبه ونطرب له، كما اكتشفنا أن «تقديرنا» للغناء السياسى، فى المقابل، لا يغرينا، حين ننشد لحظات متعة فنية وجدانية حقيقية، بأن نلجأ إليه. وأذكر أننى لاحظت فى ذلك النقاش، الذى كان توافقيًا بشكل مدهش، كيف بدا لى فيه محمود درويش متوافقًا كل التوافق مع «الدرس» الذى ألقاه علينا ممدوح عدوان قبل سنوات، ذات سهرة عندى فى بيروت، وهو ما ذكرته فى القسم السابق فى هذه الزاوية بالذات.

 

فى تلك اللحظات التى لا تُنسى، شارك جوزيف سماحة صديقنا المشترك محمود درويش تأييد ما قاله عدوان، لكنه أضاف إليه أنه حتى فى مجال الغناء السياسى يفضل إنجازات محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وأم كلثوم (وراح سماحة هنا يغنى مقاطع من الأغنيتين الكلثوميتين العظيمتين «على باب مصر» و«طوف وشوف» بصوته الذى لم يكن «كلثوميًا» بأية حال من الأحوال!). ثم صمت هنيهة ليقول إنه يعتبر «أندلسيات» الرحبانى/ فيروز من تحف الغناء السياسى فى تاريخنا الفنى العربى. وهو ما وافقه عليه درويش دون تردد، مضيفًا أن تلك «الأندلسيات»، إذ جاءت من مبدعى «الغناء الجبلى اللبنانى»، تبدو ذات مفعول سياسى هائل يعادل مفعول مغناة «جبال الصوان» للأخوين رحبانى أنفسهما.

 

فى النهاية، وعند وصولنا إلى بوابة باريس، كان لا بد من «مينى - استطلاع» يذكر فيه كل واحد منا نحن الثلاثة أسماء ثلاث أغنيات يفضلها على أية أغنية عربية أخرى. فأجمعنا على الفور بأن «الأطلال» لرياض السنباطى/أم كلثوم هى المفضلة لدينا معًا، تليها «إن راح منك يا عين» لمنير مراد/شادية، فرائعة فايزة أحمد «ياما القمر عالباب» بالنسبة إلى محمود درويش. أما جوزيف سماحة، فذكر بعد «الأطلال» مباشرة «ياما القمر عالباب»، ثم «يا طبيب القلب» لليلى مراد، بينما أبديت أنا تفضيلى لتحفة أحمد شوقى/ محمد عبد الوهاب «مضناك جفاه مرقده» فى المرتبة الثانية بعد «الأطلال»، تليها تحفة أخرى لأم كلثوم هى المعجزة الموسيقية السنباطية «أراك عصى الدمع»..

 

عند ختام الحديث، تساءل جوزى عما إذا كان بإمكانه أن يضيف أغنية رابعة «كرمال صديقنا مارسيل»، فوافقناه ليصرخ بصوت واحد هو ومحمود درويش أنها ستكون «أحن لخبز أمى»، شرط ألا نصنفها أغنية سياسية…

إبراهيم العريس إبراهيم العريس
التعليقات