عن «عائشة بكار» وهوى الفتى «المصرى» و«جالية» بلاده فى بيروت (٢ من ٣) - إبراهيم العريس - بوابة الشروق
الخميس 5 نوفمبر 2026 11:45 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

عن «عائشة بكار» وهوى الفتى «المصرى» و«جالية» بلاده فى بيروت (٢ من ٣)

نشر فى : الخميس 5 نوفمبر 2026 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 5 نوفمبر 2026 - 9:30 م

كان الاحتفال الرمضانى الكبير الذى شهدته منطقة عائشة بكار عند بدايات سنوات الخمسين من القرن المنصرم، فى المقلب الغربى من مدينة بيروت، وكان نجمه المقرئ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، الذى كان واسع الشهرة فى طول العالمين العربى والإسلامى فى ذلك الحين، حدثًا كبيرًا فى طفولة الفتى، لكن أيضًا فى حياة تلك المنطقة التى أفاقت للمناسبة. وإذ تجمعت عائلاتها فى فسحة أرض تجاور مبنى دار الفتوى العريق وسط الشارع الرئيسى لمنطقة «عائشة بكار»، أفاقت على جذور مصرية لجمهرة سكانها الذين راح كثر منهم يبحثون فى ذاكرة الطاعنين فى السن منهم، أو فى الوثائق التاريخية، أو فى أى مصدر كان من المصادر، بما فى ذلك واجهات الحوانيت التى أبدًا ما كانت قد لفتت أنظارهم من قبل، لاستذكار تاريخهم.

حينها، وفى نهاية البحث الذى راح يجرى تداوله، وغالبًا على شكل تخمينات تنتقل من بيت إلى آخر، سادت قناعة مشتركة ومعقولة بعد كل شىء، بأن الحكاية تعود إلى الحقبة التى وصل فيها المصرى إبراهيم باشا، ابن محمد على باشا، بجيوشه إلى تلك المنطقة الساحلية المعتبرة حتى ذلك الحين مجرد جزء من بلاد الشام.

وبصرف النظر عن المضامين السياسية والتاريخية للحضور المصرى كمقارعة “عربية” للوجود العثمانى فى المنطقة، قادها إبراهيم بن محمد على، قالت الحكاية إن هذا الأخير أنشأ معسكرات لبحارته الآتين فى غالبيتهم من مدن مصرية ساحلية، سيحملون أسماءها إلى الأبد (دمياط، رشيد، إسكندرية، إلخ..). أنشأها فى تلك الضاحية التى كانت جرداء من بيروت، حيث استقر كثر منهم وتزوجوا من فتيات العائلات المقيمة فى المنطقة نفسها، واختلطوا بسكانها دون أن يُعرفوا إلا بأسماء المدن والدساكر المصرية التى أتوا منها، لكنهم لم يعودوا إليها حتى حين عاد قائدهم وقياداته وبقية جنوده إلى الوطن بل آثروا البقاء فى المدينة اللبنانية الساحلية التى باتوا جزءًا من نسيجها الاجتماعى، وصار لهم فيها عائلات وذرية، بل تبنوا حتى عربيتها الدارجة التى لن ينتبهوا، على أى حال، إلى أنها تقل جمالًا وأريحية عن مصريتهم بكثير!

وهكذا بدأت حكاية تلك المنطقة المصرية فى ضاحية ستصبح لاحقًا من أحياء بيروت العريقة وحاضنة لكل وجود مصرى مقبل، حتى وإن كانت قد حملت اسم تلك السيدة المغربية المحسنة، ولا تزال تحمله حتى اليوم: عائشة بكار.

صحيح أن تاريخ عائلتنا الخاصة لا يرتبط بتلك الجذور المصرية، (إذ تقول حكايتنا إننا من أصول مغربية تنتمى إلى أسرة عبدالمؤمن)، لكن ذلك التاريخ انطبع بها مع ذلك، إلى درجة كففت معها، شخصيًا، عن التساؤل بدهشة: لماذا ترانى، ككثر من مصريى المنطقة، أحمل اسمًا ثلاثيًا يحمله كثر من جيراننا: إبراهيم محمد على. غير أننى، فى المقابل، لم أكن من المتسائلين بأى دهشة أمام الحضور المصرى الفنى فى بيتنا، ولا فى الجوار، ولا بعد ذلك فى الحياة الفنية البيروتية الغنية.

ومن هنا، على سبيل المثال، كان الفتى الذى أتحدث عنه ينتظر مرة فى الشهر على الأقل ذلك المشهد الذى كان يتكرر فى صالون البيت بشكل منتظم، ودائمًا لمناسبة إعلان الإذاعة المصرية عن بث أغنية جديدة لأم كلثوم أو نجاة الصغيرة أو فريد الأطرش أو حتى شادية.

ففى تلك المناسبات كان أبى الفنان على العريس، وزوجته الفنانة آمال العريس، يجمعان فى سهرة منزلية عددًا من الأصدقاء، أغلبهم من الفنانين فى معايير ذلك الحين، من المغنى المحلى مصطفى كريدية إلى الممثل عبدالله المدرس والشاعر محمد على فتوح (زوج المطربة سعاد محمد وكاتب أغنية حن لمحمد عبدالوهاب)، والموسيقى محيى الدين سلام (والد المطربة نجاح سلام التى ستتميز بصوتها الرائع، لكن خاصة بناصريتها حين لمع نجم الرئيس جمال عبدالناصر وباتت هى من مغنياته المفضلات)، والفنان صابر الصفح.. وغيرهم ممن لم تعد تحضرنى أسماؤهم، ليكونوا معًا من أول المستمعين إلى الأغانى الجديدة.

ولست أدرى لماذا لا تزال حتى الآن تحضرنى سهرة من حول أغنية «بان على حبه من أول ما بان» (لنجاة، من كلمات إسماعيل الحبروك وألحان كمال الطويل كما يخيل إلى)، إذ بُثت للمرة الأولى من إذاعة القاهرة، ضمن ذلك الإطار، وجرى من حولها نقاش حاولت، وأنا ابن العاشرة، أن أشارك فيه، لكن أحدًا من الحاضرين لم يعبأ بما أردت أن أقوله، ما علمنى درسًا لا يزال يرعبنى حتى الآن.. غير أن التعويض سيأتى لاحقًا وبسرعة، إذ حين كانت سهرة تالية تدور من حول مسلسل “ألف ليلة” لطاهر أبو فاشا الذى بُث من أثير إذاعة القاهرة، ووردت ضمنه استعادة لموسيقى شهرزاد للروسى رمسكى كورساكوف التى كنت أعرفها من خلال شرح حسين فوزى لها فى البرنامج الثانى، تدخلت هذه المرة فى النقاش متفوقًا على الحاضرين الذين راحوا ينظرون إلى بإعجاب، فيما بانت على وجه أبى علامات فخر غامضة وغير معتادة!

والحقيقة أن هذا كله رسخ مصريتى رغم أنها كانت بالتأكيد مستعارة. بل بشكل أكثر وضوحًا، نابعة عن اختيارات ثقافية إرادية وليس عن دوافع بيولوجية. أما الدوافع البيولوجية فسوف أتركها لعدد كبير من مبدعين ينتمون حقًا إلى مصر، لكنهم شكلوا ويشكلون زبدة سكان «عائشة بكار»، من الذين سيكون حديثه موضوع القسم الثالث والأخير من هذا النص الذى ما شئته هنا إلا تحية لذلك الحضور المصرى فى وسط بيروت، حضورًا سوف يصل إلى ذروته لاحقًا فى مناسبات سياسية وغير سياسية سأتطرق إليه فى القسم الأخير من هذه الثلاثية فى الأسبوع المقبل.

إبراهيم العريس إبراهيم العريس
التعليقات