مهرجان الموسيقى العربية الـ34.. دورة صناعة المستقبل - بوابة الشروق
الخميس 5 نوفمبر 2026 10:58 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

مهرجان الموسيقى العربية الـ34.. دورة صناعة المستقبل

تقرير - أمجد مصطفى
نشر في: الخميس 5 نوفمبر 2026 - 9:36 م | آخر تحديث: الخميس 5 نوفمبر 2026 - 9:36 م

أبناء الأوبرا رصيد لا ينتهى.. وحضورالحلو والحجار وصالح ونادية وغادة ضرورة لدعم الأصوات الشابة

تصور البعض أن مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية فى دورته الـ34، لا تحظى بنفس القدر من الاهتمام والنجاح، بسبب اعتذار البعض عن المشاركة، لكن الفعاليات أثبتت عكس ذلك،خرجت الدورة مثل غيرها، لأن جمهور المهرجان لا ينظر إلى الأسماء بقدر اهتمامه بما يقدم.

كانت البداية إهداء الدورة إلى اسم الفنان الراحل هانى شاكر ليست مجرد لفتة وفاء لمطرب كبير بل كان اعترافًا بمكانة فنان أسهم فى تشكيل وجدان أجيال، وحمل على امتداد مسيرته مسئولية تجاه فنه وجمهوره، لكونه ظل أحد أعمدة المهرجان على مدى 33 دورة شارك فيها بصوته وإحساسه وحضوره.
إنه تكريم يتجاوز شخص هانى شاكر إلى قيمة الفن الذى مثّله، وإلى مكانة مصر التى صنعت تاريخًا غنائيًا عربيًا لا يزال أثره ممتدًا. وحين تحتفى الدولة باسم أحد رموزها الفنية، فإنها تحتفى بجزء من ذاكرتها الثقافية، وتؤكد أن الفنان الحقيقى لا تنتهى علاقته بوطنه بغيابه، بل تظل أعماله حاضرة فى الوجدان، شاهدة على زمن أسهم فى تشكيل ملامحه.

من يتأمل مسيرة مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية طوال هذه السنوات، يجد أسماء لم تكن مشاركتها عابرة، ولا حضورها مرتبطًا بدورة أو اثنتين، وإنما تحولت إلى ما يشبه «عصا الخيمة» التى يستند عليها المهرجان حتى يظل متماسكًا.

فى مقدمة هذه الأسماء يأتى محمد الحلو، على الحجار، أحمد إبراهيم، طارق فؤاد، مدحت صالح، نادية مصطفى وغادة رجب، إلى جانب الراحل هانى شاكر وأنغام وآمال ماهر التى حضرت عددًا من الدورات، وغيرهم من الفنانين الذين ارتبطوا بالمهرجان ارتباطًا وثيقًا. بعض هؤلاء شارك فى معظم دوراته، وبعضهم امتدت مشاركته إلى نحو 25 دورة أو أكثر، فأصبح اسمه جزءًا من ذاكرة المهرجان، كما أصبح المهرجان جزءًا من تاريخه الفنى.

وهنا لا بد من الإشارة إلى كيفية تكوين خريطة المهرجان فى سنواته الأولى؛ إذ كانت هناك أسماء مصرية أساسية لا يمكن أن تخلو منها الخريطة، ثم تتحرك الإدارة لاستكمال المشهد بأصوات عربية كبيرة، مثل صباح فخرى ولطفى بوشناق ونجاح سلام وماجدة الرومى وكاظم الساهر، بحيث يبدو البرنامج متوازنًا بين نجوم مصر ونجوم العالم العربى.

هذه الفلسفة لم تكن تعنى الاكتفاء بالأسماء المضمونة جماهيريا، وإنما كانت تقوم على إدراك أن المهرجان يحتاج إلى من يحمى هويته، وإلى تنوع يوسع دائرة جمهوره، وإلى أصوات جديدة تمنحه القدرة على الاستمرار.

وفى الدورة الرابعة والثلاثين، جاءت مشاركة محمد الحلو، وعلى الحجار، ونادية مصطفى، وأحمد إبراهيم، وغادة رجب، وخالد سليم، وامال ماهر، لتؤكد أهمية الاحتفاظ بهذه الأسماء داخل أجندة المهرجان. إنهم فنانون يمتلكون تجارب وخبرات وجماهيرية، ووجودهم ليس مجرد استدعاء لأسماء ارتبطت بالماضى، بل هو تأكيد أن المهرجان لا يزال قادرا على الجمع بين رصيده التاريخى وحضوره الراهن.

والحقيقة أن تقدير هذه الأسماء لا ينتقص من حق الأجيال الجديدة فى الظهور، بل على العكس؛ فالمهرجان الذى يحترم رموزه ويستفيد من خبراتهم هو الأقدر على إعداد جيل جديد يعرف قيمة ما ورثه، ويستطيع أن يضيف إليه.و كانت مشاركتهم هذا العام بمثابة رهان جديد منهم على أهمية المهرجان.

فى المقابل، لا يمكن أن يكتمل حصاد الدورة من دون التوقف أمام الأصوات التى تخوض تجربتها الأولى على مسرح المهرجان، وفى مقدمتها المطربة التونسية يسرا محنوش، التى جاءت مشاركتها واحدة من التجارب اللافتة، خصوصًا فى أدائها أغنيات أم كلثوم، وما حققه حفلها من نجاح وتفاعل مع الجمهور.

وتكمن أهمية هذه التجربة فى أن الاقتراب من تراث أم كلثوم ليس مهمة سهلة، ولا يكفى فيه امتلاك صوت قوى أو مساحة صوتية واسعة؛ فهناك شخصية فنية متكاملة، وتفاصيل فى الأداء والتعبير، ومقامات وجمل لحنية تحتاج إلى فهم وثقافة موسيقية وقدرة على التعامل مع العمل بعيدا عن مجرد تقليد صاحبه.

ومن هنا، فإن نجاح يسرا محنوش فى التعامل مع هذا التراث يفتح الباب أمام سؤال مهم: كيف يمكن للمهرجان أن يحول مثل هذه المشاركات إلى وجود مستمر، بدلا من أن تظل مجرد تجربة ناجحة تنتهى بانتهاء الحفل؟

اكتشاف المواهب العربية ومنحها فرصة الاحتكاك بجمهور المهرجان يجب أن يكون جزء من خطة ممتدة، تسمح بمتابعة تطور الفنان، وتمنحه فرص جديدة، وتضعه أمام مسئولية أكبر تجاه التراث الذى يقدمه.

وفى السياق نفسه، تبرز مشاركة المطربة التونسية أمل غربى، والمطرب الأردنى طارق الفقيه، الذى يستند إلى التراث الشامى، بما يحمله من ثراء فى الألوان والإيقاعات والتقاليد الغنائية. ومثل هذه المشاركات تمنح المهرجان فرصة حقيقية للتأكيد على امتداد حدود الموسيقى العربية، ليس باعتبارها قالبًا واحدًا، وإنما بوصفها روافد متعددة تلتقى فى مساحة ثقافية مشتركة. مستقبل المهرجان لا تصنعه الأسماء الكبيرة وحدها، ولا الأصوات الجديدة وحدها، وإنما تصنعه القدرة على إيجاد علاقة حقيقية بين الطرفين؛ علاقة تسمح للجيل الجديد بالتعلم والتطور، وتمنح الجمهور فرصة اكتشاف أصوات تستحق أن تستمر.

لا تقتصر أهمية مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية على استضافة النجوم وتقديم الليالى الغنائية، وإنما تمتد إلى دوره فى الحفاظ على التراث الموسيقى العربى، وإتاحة الفرصة للأجيال المختلفة كى تتعرف إليه، وتتدرب على أدائه، وتحمله إلى جمهور جديد.

ومن هنا، تبرز أهمية مشاركة أبناء دار الأوبرا المصرية لانهم صناع مستقبل المهرجان الذى انطلقت رسالته من فكرة إحياء التراث الموسيقى العربى وصونه، لا يمكن أن ينفصل عن المؤسسة التى تحتضن هذا التراث، وتعمل على إعداد أجيال من المطربين والموسيقيين القادرين على تقديمه والحفاظ عليه.

لقد أتاحت الدورة مساحة لعدد من أصوات الأوبرا، وجود هؤلاء على خشبة المهرجان ليس مجرد مشاركة فى عدد من الليالى أو وسيلة لاستكمال فقرات الحفلات، بل هو جزء أصيل من فلسفته، ودليل على وجود مدرسة فنية تعمل على إعداد أصوات جديدة، يمكن أن تمثل مستقبل الغناء المصرى إذا توافرت لها الرعاية والفرص المناسبة.

الاستثمار فى أبناء الأوبرا ينبغى ألا يرتبط بأيام المهرجان وحدها، وإنما يجب أن يكون مشروعًا قوميًا مستمرًا، لأن إعداد المطرب يحتاج إلى التدريب والخبرة والاحتكاك بالجمهور، كما يحتاج إلى اختيار جيد للأعمال التى تكشف إمكاناته وتساعده على تطوير أدواته.
ولأننا نتحدث عن مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، فلا بد من التوقف أمام الشق العلمى، الذى يمنح هذه التظاهرة خصوصيتها ويضعها فى مساحة تختلف عن المهرجانات التى تكتفى بالحفلات الغنائية.

فالمؤتمر ليس نشاطًا على الهامش أضيف إلى البرنامج، ولا مجموعة من الجلسات التى تنتهى بانتهاء المناقشات، وإنما هو المساحة التى يجرى فيها فحص التراث الموسيقى، وتوثيق تاريخه، ومناقشة قضاياه، وفتح ملفات ظلت محل جدل بين الباحثين والمهتمين.
وقد حملت الدورة نقاشات حول الموسيقى العربية، من بينها قضايا تتصل بالنقد الأكاديمى، وقراءة التجارب الموسيقية، والبحث فى تفاصيل تاريخية وفنية تحتاج إلى التوثيق والمراجعة.

وهنا أرى أن المؤتمر العلمى يحتاج إلى مساحة أكبر فى التغطية الإعلامية، وإلى تقديم مبسط لأهم ما تنتهى إليه أبحاثه، حتى لا تظل نتائجها حبيسة قاعات المناقشة أو دوائر المتخصصين. فالمعرفة الموسيقية جزء من الثقافة العامة، وتبسيطها للجمهور لا يقل أهمية عن تقديم حفل ناجح على أحد مسارح الأوبرا.

كما أنه من الضرورى أن تتحول الأبحاث المتميزة إلى مادة موثقة ومتاحة للباحثين والمهتمين، وأن تستفيد إدارة المهرجان من نتائجها فى تطوير برامجه المقبلة. فالمؤتمر الذى لا يترك أثرًا يتجاوز أيام انعقاده يفقد جانبًا مهمًا من قيمته.
لا يمكن الحديث عن مستقبل مهرجان الموسيقى العربية من دون العودة إلى فكر الدكتورة رتيبة الحفنى، التى ارتبط اسمها بتأسيس رؤيته الفنية والعلمية، وبفكرة أن الحفاظ على التراث لا يعنى تجميده، وإنما تقديمه إلى الأجيال الجديدة بصورة تحترم أصالته وتفتح المجال أمام تطوره.
كان الرهان على اكتشاف المواهب، وإعداد الأجيال، والجمع بين الغناء والبحث العلمى، جزءًا من فلسفة أوسع ترى الموسيقى العربية مسئولية ثقافية وليست مجرد وسيلة للترفيه.

ومن هذا المنطلق، فإن تكريم أى فنان ينبغى ألا ينفصل عن إحياء فكر الذين وضعوا أسسه، وفى مقدمتهم رتيبة الحفنى. فالأسماء الكبيرة تستحق التكريم، لكن الأفكار التى صنعت التجربة تستحق ما هو أبعد من ذلك: الاستمرار والتطوير والتطبيق.
حصاد أى دورة ينبغى ألا ينتهى عند حدود ما تحقق على المسرح، وإنما يجب أن يمتد إلى تقييم ما تركته وراءها، وما يمكن البناء عليه فى العام المقبل.

فالمهرجان يحتاج إلى سياسة واضحة لاكتشاف المواهب ورعايتها، وإلى توازن دائم بين نجومه التاريخيين والأسماء الجديدة، وإلى حضور إعلامى أكثر اهتمامًا بالمؤتمر العلمى، وإلى مشروع مستمر لتوثيق التراث الموسيقى العربى وإتاحته للأجيال المقبلة.

كما يحتاج إلى تطوير أدوات التواصل مع الجمهور، من دون أن يتحول هذا التواصل إلى غاية منفصلة عن رسالته. فالإقبال الجماهيرى مهم، ونجاح الحفلات مطلوب، لكنهما ليسا المعيار الوحيد للحكم على مهرجان يحمل اسم الموسيقى العربية، ويجمع بين الفن والعلم والتراث.

لقد أثبتت التجربة أن هناك أسماء تستطيع أن تمنح المهرجان ثقله، وأن هناك أصواتًا جديدة تستحق أن تحصل على فرصتها، لصناعة مستقبل المهرجان وأن أبناء الأوبرا يمثلون رصيدًا يمكن البناء عليه. ويبقى التحدى فى كيفية جمع هذه العناصر داخل مشروع متكامل، لا تقتصر نتائجه على أيام انعقاد المهرجان.

المهرجان الذى يحترم ماضيه، ويعرف قيمة حاضره، ويستعد بجدية لمستقبله، هو وحده القادر على أن يظل باقيًا يقاوم الزمن فى وجدان الجمهور. أما الحفاظ على مهرجان الموسيقى العربية، فيبدأ من العودة إلى فكرة تأسيسه، وينتهى إلى ضمان أن تظل رسالته أكبر من أسماء النجوم، وأبقى من عمر أى دورة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك