لم يكن الموضوع أن الشاعر والكاتب السورى ممدوح عدوان لم يكن يحب الأغنية السياسية، لكنه فى الحقيقة كان ينظر إلى الأمر من منطق مختلف حين التقينا به مرات عديدة فى بيروت أو غير بيروت، ودار الحديث معه من حول تلك الظاهرة التى كانت بدأت حياة جديدة لها مع الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، لتشهد زخمًا هائلًا لمناسبة احتفالات الحزب الشيوعى اللبنانى بخمسينيته فى بيروت، احتفالًا كان عربيًا وغنائيًا على أوسع نطاق، ومهّد لبروز ظاهرة مارسيل خليفة ورفاقه من أولئك المبدعين الذين سرعان ما دفعتهم الظروف السياسية العربية إلى ذروة غير متوقعة.
كان الأمر بالنسبة إلى ممدوح عدوان يتعلق بفعالية ذلك الغناء «المسمى سياسيًا»، وليس بجزئياته الإبداعية. وذلك بالتحديد لأن معظم نقاشات من حوله كانت تدور من حول الدور الذى يمكن أن يلعبه فى الحياة اليومية للناس. بالنسبة إليه كانت المسألة تتعلق بالتلقى والجمهور الذى تتوجه إليه تلك الأغنية والأثر الذى تتركه لدى ذلك الجمهور، إذًا.. وكان ذلك أمرًا غالبًا ما وافقه عليه محمود درويش الذى كان يخصه باحترام وحب ستشهد عليهما عباراته فى تأبينه حين سيرحل لاحقًا عن عالمنا مأسوفًا عليه.
كان عدوان يحب غناء الشيخ إمام وزياد وآل الرحبانى عمومًا، لا سيما منهم فيروز، ونتاجات مارسيل خليفة وفرقة الطريق العراقية وزينب شعث وآل جبران الفلسطينيين، وأشعار أحمد فؤاد نجم وزين العابدين فؤاد المغناة، وبخاصة إضافات عبدالرحمن الأبنودى إلى الغناء المصرى، وحتى وإن كان لا يخفى عدم استساغته لموسقة أشعار محمود درويش أو محمد العبدالله أو عباس بيضون وغيرهم.
وهو فى المقابل كان يرى، خلال أحاديثنا معه وغالبًا فى حضور درويش، أننا إذا شئنا الكلام على تثوير للجماهير من طريق الأغنية، على اعتبار أن الأغنية هى الفن الأكثر حضورًا وانتشارًا وتأثيرًا فى حياة الناس وأفكارهم وذهنياتهم غير الواعية بصورة خاصة، لا غنى لنا عن التوجه بأبصارنا، بل بأسماعنا، ناحية عبدالحليم حافظ ونجاة الصغيرة، وطبعًا أم كلثوم وفيروز وأساتذة الجميع بدءًا بالأخوين الرحبانيين، ومحمد عبدالوهاب ورياض السنباطى.. والقائمة تطول، وليس إلى أقطاب الغناء السياسى (!).
وذلك لأسباب تتعلق بالتبشير بين المؤمنين الذى يمارسه هذا الغناء، الذى لم يفت عدوان أن يتوقع أنه لن يكسب زبونًا واحدًا ما دام أنه قد حدد جمهوره سلفًا، وهو جمهور يأتى ذلك الغناء ليطمئنه بأكثر كثيرًا مما يأتى ليغيره.
فى المقابل يستطرد عدوان مذكرًا إيانا بما يعتبره «التثوير الحقيقى للذهنيات من طريق كل ذلك التراكم الغنائى الموسيقى الذى لم يتوقف عن مواكبة مرحلة نهوض الوعى العربى العام منذ بدايات النصف الثانى من القرن العشرين»، وقد انطلق قبل ذلك بنصف قرن آخر مع نتاجات سيد درويش وما لحن العظماء لأم كلثوم وأسمهان وليلى مراد وفتحية أحمد وصالح عبدالحى وعشرات غيرهم، واكبتهم ثورة انتشار الراديو وتوزيع الأسطوانات والسينما الغنائية.
ولكن أين هى الثورة فى ذلك الطرب؟
يسارع ممدوح إلى الإجابة متسائلًا بالأحرى عما إذا كان فى وسع أحد أن يمدنا بإحصاء حقيقى يحلل بالتفاصيل تلك التغيرات التراكمية التى أحدثها انتشار الغناء، «الغناء المسمى تقليديًا»، بين الشعوب العربية خارج إطار الفولكلور المعروف.
بكلمات أخرى يتساءل عدوان عما إذا لم تكن أمور كالحب والعائلة وحتى الجنس المكشوف أو المضمر، والنظرة إلى تراتبية السلطة ودور المال فى حياتنا وسلوك المرأة دروب التعليم والعمل وتمكينها من اختيار شريك حياتها بنفسها، ومثل هذه المسائل التى يتسلل بعدها التقدمى «التثويرى» عن حق وحقيق، كالبديهة من خلال الغناء وموسيقاه المنفتحة خاصة على العصر عبر ألحان القصبجى وزكريا وفريد الأطرش والسنباطى وحليم الرومى وزكى ناصيف، إضافة إلى عشرات المبدعين العرب فى هذا المجال فى المشرق والمغرب.
يتساءل عما إذا لم يكن فى جذور ذلك الزمن النهضوى الصاعد الذى « ينبغى ألا نتردد فى اعتباره زمنًا ثوريًا حقيقيًا»، يضيف عدوان قبل أن يبتسم بمكر ليستطرد متسائلًا، وهو ينظر إلى محمود درويش بود فائق:
«ترى هل يمكن لذى عقل منفتح ألا يفضل حقًا أغانى الأمل التى يعتبرها بعضنا رجعية تخديرية للأسف، وحتى الأغانى السياسية الرائعة التى أبدعها محمد عبدالوهاب وحملت فى طياتها تلك الوحدة العربية، المعنوية على الأقل، التى نتطلع إليها ومساءات إطلاق أم كلثوم أغانيها الجديدة ذات خميس أول من كل شهر، خالقة تضافرًا عربيًا من المحيط إلى الخليج - ربما لن أخجل من أن أسميه وحدة عربية ولو لساعات قليلة - حول الحب الذى كان محظورًا إلا فى جلسات العوالم، والعائلة التى لا تكاد تمس من قبل، وهموم المرأة وصراع الأجيال وتراتبية السلطة، وما إلى ذلك؟».
هنا، وفيما كان ممدوح عدوان يسهم فى شرحه وتحليله لهذه الأفكار التى صدمت البعض منا، كان درويش بالتحديد لا يتوقف عن الإصغاء إليه بكل اهتمام، موافقًا على معظم ما يذهب إليه ولو بنظرات عابرة إنما متشوقة إلى المزيد، كما بحركات يديه الموافقة على ما يقول.
وربما، كما كان يخيل إلينا، يضع فى ذهنية تراتبية تفضيلاته الغنائية التى لن يطول بنا الأمر قبل أن نكتشفها فى جلسات معه لاحقة.
تفضيلات من الصعب القول إنها تتضمن أيًا من تلك الأغنيات السياسية التى ثمة دائمًا إجماع لدى المثقفين على أهميتها فى الحياة العامة العربية، وهم الذين قلما انتبهوا إلى كينونتها الثقافية، وبالتالى إلى عجزها غير المعترف به من جانبها، على إحداث تلك الثورة التى يتحدثون عنها ويرفضون حتى مقارنة ثورة الغناء التقليدى بها، واصفين هذا الأخير بالفن التخديرى.
ذلك الوصف الذى كان ممدوح عدوان يرفضه جملة وتفصيلًا، فيدهشنا فى ذلك، سلبيًا بالنسبة إلى بعضنا، لكن إيجابيًا بالنسبة إلى البعض الآخر.
وعلى الأقل حتى أفصح لنا درويش، «سيد الأغنية السياسية دون منازع» بالنسبة إلى كثر منا، عن أنه، وكما سنجد فى القسم التالى والأخير من هذه الثلاثية، الغناء الذى يطربه أكثر ويدفعه أكثر وأكثر نحو إبداع شعره الذى سيخبرنا ضاحكًا فى نهاية الأمر بأنه لا يحب له أن يُمَوْسَق، حتى وإن كانت موسقته قد وسعت من أفق جمهوره، ولم تخل من لحظات موسيقية وغنائية بديعة، بحسب تعبيره.