الجامعات فى عصر الإجابات الجاهزة - قضايا تكنولوجية - بوابة الشروق
الخميس 29 أكتوبر 2026 8:33 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

الجامعات فى عصر الإجابات الجاهزة

نشر فى : الخميس 29 أكتوبر 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الخميس 29 أكتوبر 2026 - 7:20 م

لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد أداة تقنية جديدة تُضاف إلى الأدوات التى يستخدمها الطالب والأستاذ. فقد أصبحت أنظمته قادرة على كتابة النصوص، وتلخيص الكتب، وترجمة اللغات، وحل المسائل الرياضية، وكتابة البرامج، وتحليل البيانات، وإنتاج الصور، واقتراح الحلول والفرضيات. وهذا التطور يطرح على الجامعة سؤالًا يتجاوز كيفية استخدام هذه الأدوات: ماذا يعنى أن يتعلّم الإنسان عندما تصبح الآلة قادرة على إنتاج كثير من الأشياء التى كانت الجامعة تطلب من الطالب إنتاجها بنفسه؟

فى البداية، يبدو السؤال وكأنه يتعلق بالغش: هل استخدم الطالب الذكاء الاصطناعى فى كتابة بحثه؟ هل استعان به فى حل المسألة؟ هل كتب البرنامج بنفسه أم طلب من الآلة كتابته؟ لكن اختزال المسألة فى الغش يخفى سؤالا أعمق.

فالذكاء الاصطناعى لا يخلق مشكلة جديدة بالكامل، بل يكشف حدودًا كانت موجودة أصلًا فى بعض أنماط التعليم والتقييم: هل كان الناتج الذى يقدّمه الطالب دليلًا كافيًا على امتلاكه المعرفة والقدرة اللتين يُفترض أن يكون التعليم قد بناهما لديه؟ اعتمد جزء كبير من التعليم الجامعى على فكرة تبدو منطقية: إذا طلبنا من الطالب كتابة بحث، أو حل مسألة، أو إنجاز برنامج فإن الناتج النهائى يسمح لنا بتقدير مستوى تعلّمه. أما اليوم، فقد يستطيع الحصول خلال ثوانٍ على نص متماسك، أو حل رياضى. وهنا يصبح من الضرورى التمييز بين أمرين مختلفين: امتلاك الناتج، وامتلاك القدرة التى تسمح بفهمه وإنتاجه وتقييمه.

• • •
السؤال الأهم هو: ما الذى نريد أن نقيسه؟ إذا كان المطلوب معرفة مقدار المعلومات التى يستطيع الطالب استرجاعها، فإن الذكاء الاصطناعى يجعل هذا الهدف أقل مركزية. أما إذا كان المطلوب أن يفهم الطالب المشكلة، وأن يختار منهجًا مناسبًا، ويختبر النتيجة، ويكتشف الخطأ، ويبرّر اختياره، ويتعامل مع حالة لم يسبق أن واجهها، فإن هذه القدرات تصبح أكثر أهمية.

وهنا يمكن أن يتغير مسار التقييم من سؤال يبحث عن إجابة وعلامة تثبتها، إلى مشكلة ينطلق منها البحث، ثم اختيار المنهج، واستخدام الأدوات، وفحص النتيجة ونقدها وتعديلها، وصولًا إلى التفسير والمناقشة.

ليس المقصود إذًا إلغاء الناتج، بل جعله جزءًا من مسار أوسع يكشف كيف وصل الطالب إليه، وماذا يفهم منه، وما الذى يستطيع أن يفعله به.

لكن هذا التحول لا ينبغى أن يؤدى إلى وصفة واحدة لجميع التخصصات.

فى العلوم الإنسانية، يستطيع الذكاء الاصطناعى كتابة مقال متماسك، وتلخيص كتاب، والمقارنة بين مفكرين، واقتراح حجج ومراجع. ولذلك قد يصبح البحث المنزلى الذى يُقيَّم من خلال النص النهائى وحده أقل قدرة على الكشف عن تعلّم الطالب. الأهم أن نعرف لماذا اختار المشكلة، وكيف صاغ السؤال، ولماذا اعتمد مصادر معينة، وكيف تعامل مع رأى مخالف، وهل يستطيع الدفاع عن تفسيره ونقد النص الذى أنتجته الأداة.

أما فى الرياضيات، فإن قدرة الذكاء الاصطناعى على حل المسائل لا تجعل تعلّم الرياضيات بلا معنى. فالفرق كبير بين الحصول على الحل وفهم البرهان أو الطريقة التى قادت إليه. وقد يكون من المفيد أحيانًا أن يُعطى الطالب حلا أنتجته الآلة، ويُطلب منه تحليل خطواته، واكتشاف أخطائه إن وُجدت، وتحديد الشروط التى تجعله صالحًا، ثم معرفة إمكان تطبيق المنهج نفسه على مسألة مختلفة.

• • •
تكمن أهمية الذكاء الاصطناعى فى أنه جعل مشكلة قديمة أكثر وضوحًا. فالتعليم يميل، لأسباب عملية ومؤسساتية، إلى قياس ما يسهل قياسه: المعلومات المحفوظة، والمسائل النمطية، والنص المكتوب، والإجابة المحددة. وهذه مهارات حقيقية لا ينبغى التقليل من شأنها، لكن سهولة قياسها قد تمنحها أحيانًا مكانة أكبر من قدرتها الفعلية على التعبير عن التعلّم.

فالطالب قد يحفظ إجابة من دون أن يفهمها، أو يتقن طريقة لحل مسألة من دون أن يعرف متى تصبح هذه الطريقة غير صالحة. والذكاء الاصطناعى يجعل الفجوة بين مظهر المعرفة والمعرفة الفعلية أكثر وضوحًا، لأنه يستطيع إنتاج مخرجات تبدو مكتملة حتى عندما لا يمتلك مستخدمها الفهم الذى يسمح له بالحكم عليها.

لذلك، فإن القضية ليست كيف نمنع الطالب من الوصول إلى الأداة، بل كيف نجعل التقييم قادرًا على التمييز بين من حصل على الإجابة ومن فهمها. وليس كل استخدام للذكاء الاصطناعى متشابهًا. هناك فرق بين أن يطلب الطالب من الأداة إنجاز بحث كامل ثم يقدّمه باسمه، وبين أن يستخدمها لتفسير مفهوم لم يفهمه، أو لتقديم حل أولى، ثم يفحصه ويناقشه ويصححه.

• • •
ربما لا يكون أخطر ما يطرحه الذكاء الاصطناعى هو الغش، بل شىء أكثر خفاءً: أن يخلط الطالب بين الحصول على المعرفة وامتلاكها. يمكن للطالب أن يحصل على شرح ممتاز لنظرية فى الفيزياء، أو حل لمسألة رياضية، أو مقال حول موضوع فلسفى، فيشعر أنه فهم الموضوع. لكن الاختبار الحقيقى يظهر عندما يتغير السؤال. هل يستطيع تطبيق الفكرة فى حالة جديدة؟ هل يعرف لماذا قبل هذه النتيجة؟ إذا لم يستطع، فقد حصل على إجابة، لكنه لم يكتسب بالضرورة المعرفة التى تسمح له باستخدامها.

ومن هنا تظهر مفارقة مهمة: كلما أصبحت الآلة أكثر قدرة على إنتاج الإجابات، ازدادت أهمية امتلاك الإنسان المعرفة اللازمة لتقييمها. ولهذا، فإن المعرفة الأساسية لا تصبح أقل أهمية مع الذكاء الاصطناعى، بل تتغير وظيفتها.

لم يعد ضروريًا أن يحفظ الإنسان كل معلومة يمكن الوصول إليها بسهولة، لكنه يحتاج إلى معرفة كافية تمكّنه من فهم ما يحصل عليه، وربطه بسياقه، واكتشاف الخطأ فيه. فلا يستطيع من لا يعرف الفيزياء أن يحكم على نموذج فيزيائى، ولا من لا يعرف الرياضيات أن يكتشف خطأ فى برهان، ولا من يفتقر إلى أدوات التفكير النقدى أن يميّز بين حجة متماسكة وأخرى تبدو متماسكة.

• • •
لا يبدو أن الذكاء الاصطناعى يلغى دور الأستاذ، بل يدفعه إلى التغيّر. فإذا كان الأستاذ يؤدى، فى أحد النماذج التقليدية، دورًا كبيرًا فى نقل المعلومات، فإن وفرة المعلومات المتاحة تجعل وظائف أخرى أكثر أهمية: تصميم المشكلات، وتوجيه البحث، وكشف سوء الفهم، وتدريب الطالب على النقد، ومناقشة النتائج.

وقد يصبح الأستاذ أقل شبهًا بمصدر وحيد للمعلومة، وأكثر شبهًا بمنظّم لعملية التعلّم، وشريك فى التفكير، وناقد للنتائج.

وهذا لا يقلل من أهمية المعرفة التى يمتلكها الأستاذ، بل يجعلها أكثر ارتباطًا بقدرته على التمييز بين ما هو صحيح وما يبدو صحيحًا، وبين السؤال المهم والسؤال السطحى، وبين استخدام الأداة والاعتماد عليها. كذلك ينبغى تجنّب رد فعل معاكس يرى أن الذكاء الاصطناعى يجعل الحفظ والحساب والكتابة أمورًا بلا قيمة. فهذه القدرات ليست مجرد وسائل لإنتاج الإجابات، بل أدوات لبناء الفهم نفسه.

ولا يستطيع الطالب أن يفكر نقديًا فى موضوع لا يمتلك حدًا أدنى من معارفه ومفاهيمه. وعليه، لا تختفى المعرفة الأساسية، وإنما يتغير موقعها. لم تعد الغاية أن يحمل الإنسان فى ذاكرته كل ما يمكن استرجاعه آليًا، لكنها تظل قاعدة ضرورية للفهم والحكم والربط وطرح الأسئلة.
• • •

إذا كانت الآلة قادرة على الإجابة عن عدد متزايد من الأسئلة، فقد تصبح قيمة الإنسان أقل ارتباطًا بقدرته على استرجاع الإجابة، وأكثر ارتباطًا بقدرته على صياغة السؤال الذى يستحق أن يُطرح.

فالآلة تستطيع أن تقترح حلولًا كثيرة، لكن تحديد المشكلة قد يكون أصعب من حلها. ويمكنها أن تقدّم تفسيرًا مقنعًا، لكن اكتشاف أن هذا التفسير لا يفسّر ظاهرة معينة قد يتطلب معرفة أعمق من مجرد إنتاجه.

قد يصبح السؤال نفسه شكلًا من أشكال المعرفة. ليس السؤال الذى يطلب معلومة جاهزة، بل الذى يفتح مشكلة، ويكشف علاقة، ويضع فرضية موضع الاختبار، ويقود إلى معرفة جديدة.

وربما نصل هنا إلى السؤال الأعمق الذى يفرضه الذكاء الاصطناعى على الجامعة: ماذا يعنى أن يكون الإنسان قد تعلّم؟ هل يعنى أن يعرف الإجابة؟ أم أن يعرف كيف يبحث عنها؟ أم أن يعرف كيف يختبرها؟
فالإنسان المتعلّم ليس من يستطيع منافسة الآلة فى كمية المعلومات أو سرعة الحساب أو إنتاج النصوص، بل من يستطيع أن يفهم المشكلة، ويطرح السؤال، ويستخدم الأدوات، ويفحص النتائج، ويكتشف الخطأ، ويعدّل مساره، ويربط المعرفة بسياقها، ويطرح سؤالًا جديدًا عندما تنتهى الإجابة الجاهزة.

قد يجعل الذكاء الاصطناعى بعض أشكال التعليم القديمة أقل ضرورة، لكنه يستطيع فى الوقت نفسه أن يفتح إمكانات جديدة للتعلّم. ويبقى السؤال ليس: كيف نمنع الآلة من القيام بما كان الطالب يقوم به؟ بل: كيف نبنى تعليمًا يجعل الإنسان أكثر قدرة على الفهم والحكم والإبداع، فى عالم أصبحت فيه الآلة قادرة على إنتاج عدد متزايد من الإجابات؟
وربما تكون هذه هى الفرصة التى يضعها الذكاء الاصطناعى أمام الجامعة: ألّا تكتفى بتعليم الطالب كيف يجد الإجابة، بل إن تعلّمه كيف يعرف إن كانت الإجابة تستحق أن تُقبل، ولماذا، وما السؤال الجديد الذى يمكن أن يولد منها.

طنوس شلهوب
موقع 180
النص الأصلى:

قضايا تكنولوجية قضايا تكنولوجية
التعليقات