منذ أن يتم الإعلان عن الموعد السنوى لتنظيم معرض تراثنا، ومن قبل حتى أن يفتح أبوابه أمام الجمهور، أتهيأ نفسيًا لأكثر من جولة بين قاعات المعرض وأجنحته. أؤجل قرار المشتريات لبعض الرفايع التى أحتاجها لحين الذهاب، وأتواعد مع بعض العارضات الصديقات على اللقاء هناك. تبعث لى عارضة سوهاجية، وهى معرفة قديمة، برسالة ودودة على الواتساب تقول: حاستناكى تيچى المعرض، فأرد عليها بنفس الودّ: چاية بإذن الله. وتكلمنى عارضة شهيرة جدًا من الإسكندرية قائلة: أنا امبارح نَزَلت مصر علشان المعرض، فأبحث عن إجابة مناسبة أضع فيها فتحة فوق الفعل بدلًا من الكسرة وأقول: وأنا لَبَست وفى الطريق إليكِ. هذا التنوع فى اللهجات من بحرى للصعيد هو جزء من تراثنا المصرى الغنى الذى يحتضنه المعرض، ففيه أجنحة لأسوان وحلايب وشلاتين وسيناء وسيوة والإسكندرية و.. و.. و..، ولكل جناح لهجة ولكل لهجة بهجتها.
• • •
صعب جدًا أن ترى كل مصر فى قاعات المعرض الثلاث (أ) و(ب) و(ج) لكن هذه المساحة كافية لأن تقدم لك أجمل ما فى مصر. شابات جامعيات مبدعات فى صناعة الحلّى والملابس والمفروشات والسجاد والخشب والخزف والطعام أيضًا، ففى آخر المعرض يجرى التنافس على أشدّه بين مذاق كيكة الجزر بالمكسرات وطَعم الحمام الكداب. أكثر هؤلاء الشابات لا يمتلكن متجرًا، لكنهن يدخلن لعالم التجارة بقلب جامد من خلال صفحة على الفيسبوك أو حساب على الإنستجرام، وهذا أحد إيجابيات وسائل التواصل الاجتماعى حتى لا نُتهم طوال الوقت بأننا ننشر السلبيات. نساء بسيطات لم يكملن تعليمهن لكنهن أجدن استخدام مواهبهن، حضورهن لافت، وبصماتهن واضحة، وإبداعهن فى الصناعات التراثية ومنها صناعة التلّى مذهل. فى خلفية أحد أجنحة التلّى صورة لأسمهان وهى ترتدى ثوبًا من التلّى وتزيّن صدرها بكردان فضى ضخم. طبعًا هذا مشهد من فيلم "غرام وانتقام"، آه يا مين يقوللى قهوة أسقيه بإيدى قهوة.. أنا أنا أنا أهوى. تضافُر الخيوط البراقة الفضى منها مع الذهبى مع النحاسى لصنع الشوكة الأمازيغية الشهيرة على قماش التلّى يطيّر عقلى ويسحرنى سحرًا. أعشق الفن الأمازيغى وأشعر أنه يشبهني.. ولا يوجد عندى تفسير لهذا الشبه. ربما لا يعرف كثيرون أن واحة سيوة فيها عدد لا بأس به من القبائل الأمازيغية، وتلك حقيقة اكتشفتها من زماااااان قبل أكثر من أربعين عامًا عندما كنت أعد رسالتى للدكتوراه. فى المعرض يوجد جناح للمغرب وآخر للجزائر، وفى الجناحين يحضر الفن الأمازيغى بقوة ليذكّر البلدين العربين المتخاصمين أن بينهما ما يجمع ويربط.
• • •
كعادتها جلسَت دكتورة هناء وسط "باليتة" ألوانها كأنها جزء لا يتجزأ منها، حملَت قصاصاتها البديعة من مستقَرها فى سوق الفسطاط وذهبَت لمعرض تراثنا. كانت منهمكة فى حشو كلب من القماش البمبى المسخسخ بقطع صغيرة من القطن.. قالت: طلّع روحى. بس مش مهم، النهارده ربنا طبطب عليّ وبعت لحاف. أعجب تعبير "ربنا طبطب عليّ" زبونة كانت تقلّب فى المعروضات وجميعها مما يطلق عليه الباتش وورك.. أنا أيضًا أعجبنى التعبير. وعندما مررتُ عليها فى طريق الخروج كان الكلب قد اكتمل واستقر فوق الرّف يتفرّج على الرايح والجاي. هناء تشبه الفنانة فردوس محمد فى لبسها وجسمها والإيشارب على رأسها، وهذا سبب إضافى ليجعلك تشعر بأمومتها وهى تذكّر رفيقتها المنتقبة بأنها تحتاج إلى أن تمشّى رجليها قليلًا. قالتها لها بالإنجليزية فأثارت دهشتي. هى أفريقية؟ لا أمريكية. فعلًا؟ غريبة. ألوان الباستيل الهادئة للملابس الصيفية الخفيفة فى الجناح المجاور لجناح دكتورة هناء تشعرك بأنك تنتقل من جنة الألوان الزاعقة إلى السماء مباشرة، فالأزرق السماوى يتأبطك ويطير. ليس فقط بضدّها تتميّز الأشياء لكن أيضًا بضدّها يتنعّم البصر ويستمتع.
• • •
أخذت حبتين من حبّات الفول السودانى الأسوانى الشهير ضيّفنى بهما عارض بشوش من جناح أسوان فإذا بى بعد أن تجاوزته بخطوات أرجع للخلف دُرّ وأشترى نصف كيلو. ليس أحلى من سودانى أسوان إلا سودانى السودان. يااااه عظمة على عظمة على عظمة، الحبة صغيرة الحَجم جدًا وبلا قشرة.. تذكرتُ زيارتى الوحيدة لهذا البلد الجميل وناسه الطيبين. تقدمتُ فى قاعة (أ) واشتريت غطاءً قطنيًا جمالُه لا يُقاوَم صُنع فى أخميم ومناسب جدًا لفصل الخريف، وفى الحقيقة فإن تقسيم المواهب بين المحافظات المصرية مسألة تستحق التأمل. أخميم للمنسوجات ومدرسة رمسيس ويصا واصف التى لا يُعلى عليها فى شغل الإبرة حتى لتكاد الطيور تقفز من القماش وتحّط على كتفيك. أثاث دمياط وجهاز للعرايس يعيش العمر كله والعامل الذى تتلّف إيده فى حرير. جلود الإسكندرية وشارع النبى دانيال الذى طالما زوّغت من المؤتمرات لأشترى منه شنطة أو حافظة نقود. فضّة القاهرة وروائع عزة فهمى وشفيعة الوكيل والعجاتى وعاطف واصف ومحمد خليل وشيرين العيّاط الذين يضعون أجمل قطع الحُلّى على صدور نساء الطبقتين الوسطى والعليا. حركة البيع والشراء والرواج تصنع أجواءً لطيفةً جدًا فى المكان وأغنية يا حبيبتى يا مصر لا تتخلّف أبدًا عن تحريك المشاعر ودغدغة الوجدان.. رحتُ أدندن مع شادية "أصله ما عدّاش على مصر". يستوقفنى أحد الأجنحة.. ما هذا؟ برطمانات آخر شياكة فيها قلوب صغيرة معطّرة بعطور مختلفة زنبق ومِسك وعنبر توضع فى الخزانة ويوجد عليها عَرض الثلاثة منها بخمسمائة جنيه... كم؟ خمسمائة جنيه لتعطير الدولاب.. يفتح الله.
• • •
حضور ملحوظ للعرب والأجانب. ومن المؤكد أننا نشعر بارتفاع الأسعار من معرض لآخر بل ومن شهر لآخر وهو شعور يُزعج ويُحبط ويغيظ، لكن هذه الأسعار منسوبة إلى جودة الخامات المصرية ومهارة الصانع المصرى حاجة ببلاش كده بالنسبة لغير المصريين. يستهوى الزائرين التطريز السيناوى/الفلسطينى المميّز جدًا فهو شاهد على فن ومثابرة وقضية أيضًا. جزء من الحفاظ على الذاكرة الجمعية يرتبط بمفتاح لبيت فى القدس ورقصة دبكة فى غزة وثوب تقليدى فى فلسطين من البحر إلى النهر. اشتريت شريطًا عليه صورة حنظلة لأضعه بين صفحات الكتاب أحدّد به أين توقَفت فى القراءة. أعرف جيدًا أنها ليست المرة الأولى التى أشترى فيها شريط حنظلة لكن مَن قال إن لديّ كتاب واحد فقط؟.
• • •
عندما وصفتُ معرض تراثنا بأنه معرض البهجة لم أبالغ، فالمتعة التى منحها لى التجوّل فيه والدردشة مع عارضيه وشراء ما تيسّر من منتجاته متعة حقيقية. من هذا المعرض، من الغطاء القطنى الخريفى وحبّات الفول السودانى وقطع الحُلى وشيلان التلّى يُصنع الانتماء الذى يتحدثون عنه. «يا بوى يا مصر اما الواحد بيحبك حب.. منين ما راح البال واخد حبِك فى القلب».