ظهرَت شخصية المقامر فى مشاهد متكررة بالعديد من أفلام السينما المصرية، وظلت هذه الظاهرة مستمرة ربما حتى نهاية سبعينيات القرن الماضى. وهذا أمر طبيعى لأن السينما تؤثر فى الواقع الاجتماعى وتتأثر به.
• • •
كان ليل العاصمة خلال تلك الفترة الطويلة حيًا صاخبًا، وصالات القمار منتشرة فى الملاهى الليلية المنتشرة وسط البلد وعلى طول شارع الهرم، كذلك كان بعضها موجودًا فى الفنادق الكبرى بإطلالتها الساحرة على نيل القاهرة. وبالتأكيد لحقت تغيرات كبيرة بالتكوينات الطبقية بعد ثورة يوليو التى رفعَت شعار القضاء على الإقطاع والرأسمالية المستغلة، لكن ظلت هناك بقايا لطبقة الأثريا العاطلين بالوراثة تقامر وتعيش على أطلال الماضى، كما ظلت صورة هذه الطبقة ماثلة فى الذاكرة التاريخية حتى بعد اندثارها وظهور طبقة من الأثرياء الجدد بخلفيات أخرى. وهكذا ألهمَت شخصية المقامر كبار كُتّاب السيناريو بعضًا من أهم أعمال السينما المصرية وعلاماتها المميّزة. فى فيلم "سيدة القصر" كان عمر الشريف (أو عادل بك) يمتلك عزبة كبيرة لكن إيراداتها كانت منهوبة بواسطة شلته ومساعده استيفان روستى (أو شفيق) بالتواطؤ مع ناظر العزبة. يقضى صاحب العزبة وقته صباحًا فى المراهنات على خيول السباق، وفى المساء كان يلعب القمار داخل قصره الفخم المكتظ بالتحف. من هذا الفيلم خرجَت إفيهات كوميدية شهيرة صالحة للاستخدام فى أكثر من مناسبة. ففى الإشارة إلى حسن التخطيط نقتبس من استيفان روستى جملة "مضطر ألجأ للترتيب الشديد"، وفى إطراء شدّة الدهاء نقتبس منه رده على زوزو ماضى "وبيتك يا ملك هانم"، أما جملته الأشهر بعد أن طلب فردوس محمد للرقص ولم تفهم طلبه "كده؟ طب بس أروح أتحزّم واجيلك" فكانت فى سياق آخر، لكنها كانت عبقرية. فى نفس الاتجاه وبدرجة أقل من الشهرة ظهرَت أفلام أخرى، منها "لا تذكريني" و"الناس مقامات" و"البيوت أسرار"، وكانت الأحداث التى تجرى فى أجواء أرستقراطية والأرجح انتهازية عادةً ما تنتهى نهاية مأساوية تليق بالسير فى الطريق البطّال. ومع ذلك فإن المقامر لم يكن من فئة الأثرياء العاطلين بالوراثة دائمًا، فهناك عدد لا بأس به من الأفلام عن مواطنين عاديين حوّلتهم ظروفهم الشخصية إلى مقامرين ولو لمرة واحدة. فى فيلم "الهوا مالوش دوا" اشترك كمال الشناوى وإسماعيل يس (أو لطيف وخفيف) لأول مرة فى الرهان على الخيل بعد ما تم فصلهما من شركة الخطوط التروللية. شاءت الظروف أن تختلط تذكرة الحصان الخسران طيارة الذى راهنا عليه بتذكرة الحصان أرنب الفائز، وهو تنويع لطيف على قصة الأرنب والسلحفاة التى تربينا عليها منذ الصغر. والمهم فى الموضوع هو أن البطلين ربحا مبلغ ١٥٠ جنيها بالتمام والكمال، ويا لها من ثروة فى مطلع الخمسينيات.
• • •
أحب الأفلام الكوميدية وأعتبر أننى فى نهاية يوم عمل متعب ملئ بشدّ الأعصاب وأحيانًا بالسخافات، من حقى أن أستمتع بابتسامة قبل النوم. وقد شاءت الظروف أن تُعرض فى الأسابيع القليلة الماضية عدة أفلام أبيض وأسود لعدد من المقامرين الظرفاء جدًا. فوجئ إسماعيل يس (أو جميز) فى فيلم "المليونير" بموقف لم يخطر له على بال. دخل عليه استيفان روستى (أو زكى بشّكها) يتوعده بالويل والثبور وعظائم الأمور ما لم يسدّد مبلغ الثلاثة آلاف جنيه التى اقترضها منه فى صالة القمار. لم تكن لجميز المسكين أى علاقة بهذا الدَين، فهو مجرد شبيه طبق الأصل للمليونير المقامر عاصم بك. ومع ذلك تغلّبت بساطة وتلقائية جميز على شر زكى بشّكها ورجالته، لعب معه إحدى ألعاب الكوتشينة وتمسّك بالرهان على الرقم ٩ لعدة أدوار. وكانت المفاجأة أنه نجح، ليس فقط فى إسقاط مديونية عاصم بك بالكامل، لكن كذلك فى تجريد اللاعبين من ملابسهم وساعاتهم. وأنا هنا أدين بكل الامتنان لاستيفان روستى الذى ما من مرة شاهدته وهو يتهدد جميز قائلًا: إنت داخل فى عقلك تضحك على زكى بشّكها؟ إنت مش حِمل زكى بشّكها، إنت مش قد زكى بشّكها…. إلا وضحكت كأنى أرى المشهد لأول مرة. كذلك مارس نجيب الريحانى أو حسن أبو طبق فى فيلم "لعبة الست" هو الآخر القمار بالصدفة البحتة. أرسله سليمان نجيب (أو إيزاك عنبر) صاحب الشركة ليشترى له علبتّى سجائر لاكى سترايك فظّن أنّ المطلوب منه شراء تذكرتين للمراهنة على الحصان لاكى. ضرب الحظ مع حسن أبو طبق الموظف البسيط وفاز لاكى فى السباق فابتسمَت له الدنيا من حيث لم يحتسب. وعلى أى حال، هذه لم تكن أول مرة يتحوّل فيها نجيب الريحانى لمقامر بالصدفة، ففى فيلم "سى عمر" يضطر نجيب الريحانى (أو جابر أفندي) الرجل المستقيم لمعايشة إحدى عصابات السرقة ومعها يتعلّم لعب الورق ويتفوق فيه. أما عبد الحليم حافظ (أو سمسم) فى فيلم "موعد غرام" فإنه بعكس كل من جميز وحسن أبو طبق وجابر أفندى كان يراهن على الخيل عن عمد لتعويض محدودية دخله. كان سمسم شخصًا بوهيميًا فوضويًا، ينفق عن سعة عندما يكسب الحصان إكسبريس ويحجز غرفة لوكس فى فندق البوريڤاچ بالإسكندرية، ويأكل عيش ودُقّة على الكورنيش إذا جنح إكسبريس عند الملّف وخرج مهزومًا من السباق يجر أذيال الخيبة والعار. ملاحظة على جنب، عند كتابة المقال نسيت اسم الحصان الذى يراهن عليه سمسم فسألت عنه التشات چى پى تى، فأجابنى بأن الفيلم لم يذكر اسم الحصان…..هوهوهوه كان يظن التطبيق أنه قادر على خداع زكى بشّكها، لكن هيهات. عصَرت مخّى وصححت معلومات التشات چى پى تى واستعدت أمجاد جميز فى فيلم "المليونير".
• • •
طُويت هذه الصفحة من تاريخ مصر وغابت شخصية المقامر كشخصيّة محورية فى الأعمال السينمائية، ربما باستثناء نماذج قليلة كمثل شخصية خالد صالح (أو الريس عمر حرب) فى فيلم ممتاز يحمل نفس الاسم. لكن أظن أن اختلاف التناوُل بين أفلام الألفية الثانية وأفلام الألفية الثالثة يكمن فى غياب ذلك البطل البسيط الذى يجعلنا نضحك معه من أعماق قلوبنا وهو يتحول إلى مقامر رغم أنفه. فهل يعود ذلك إلى أن الزمان لم يعد مناسبًا لحياة أمثال جميز وحسن أبو طبق وجابر أفندي؟ ربما كان الأمر كذلك. يقول سيد حجاب "ليه يا زمان ما سبتناش أبرياء؟".