مشروع ترامب واختبار الشفافية فى ألبانيا - صحافة عربية - بوابة الشروق
الخميس 22 أكتوبر 2026 9:09 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

مشروع ترامب واختبار الشفافية فى ألبانيا

نشر فى : الخميس 22 أكتوبر 2026 - 7:50 م | آخر تحديث : الخميس 22 أكتوبر 2026 - 7:50 م

نشرت جريدة النهار اللبنانية مقالًا للكاتب باسل الحاج جاسم، يوضح فيه أن الاحتجاجات الراهنة فى ألبانيا تعبر عن أزمة ثقة عميقة وشاملة بين الشارع والطبقة السياسية الحاكمة برئاسة إيدى راما -نتيجة تراكم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والفساد وتراجع الشفافية- ما يضع الدولة أمام اختبار حقيقى للتوفيق بين استقرارها وطموحاتها الأوروبية من جهة، وتحقيق العدالة والشفافية والاستجابة لمطالب الشعب من جهة أخرى.. نعرض من المقال ما يلى:
ليس ما تشهده شوارع ألبانيا اليوم مجرد حراك طلابى أو احتجاجات فئوية عابرة، بل هو تعبير جلى عن أزمة ثقة عميقة تتصاعد بين الشارع والطبقة السياسية الحاكمة. فبعدما بدأت الحركة الاحتجاجية بمطالب أكاديمية ومعيشية تتعلق برسوم الجامعات والدعم الاجتماعى، سرعان ما اتسعت رقعتها لتتحوّل إلى رفع سقف المطالبات واستقالة رئيس الوزراء إيدى راما.
لقد أثبتت التجربة أن اختزال الغضب الشعبى فى مطالب قطاعية يتجاهل التراكمات الناجمة عن القلق الشديد بشأن فرص العمل، واتهامات الفساد، وآلية إدارة موارد الدولة. وما مشروع الاستثمار السياحى الفاخر المرتبط بإيفانكا ترامب وجاريد كوشنر إلا تجسيد حى لهذه الأزمة، إذ تحوّل هذا المشروع - الذى شمل اقتطاع أراضٍ من محميّة طبيعية ساحلية - من استثمار اقتصادى إلى رمز للاعتراض على امتيازات كبار المستثمرين والنفوذ السياسى، ومحك حقيقى لمفاهيم الشفافية وتكافؤ الفرص.
إن هذا البعد، وارتباط المشروع بعائلة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، يمنح الملف حساسية سياسية بالغة تتجاوز حد العقارات. ومع ذلك، ينبغى تجنب الانسياق وراء تفسيرات المؤامرة؛ إذ لا توجد معطيات كافية لربط هذه الاحتجاجات بتدخل خارجى منظم، بقدر ما هى نتاج مباشر للاحتقان الداخلي.
تأتى هذه التطورات بينما يتولى إيدى راما رئاسة الحكومة منذ عام 2013، ونال حزبه الاشتراكى ولاية رابعة فى انتخابات 2025. ورغم أن الانقسام السياسى وغياب البديل الموحد قد يحميان الحكومة من السقوط السريع، فإن استمرار الأزمة يضع سلطة راما أمام اختبار حقيقى، وقد يحوّل الحراك الشعبى إلى أداة ضغط طويل الأمد يفرض تغييرات حكومية أو مبكرة.
وهنا تبرز خطورة الرهان على الحل الأمنى الصرف. صحيح أن إحراق الممتلكات واقتحام المبانى يمنحان السلطات مبررًا للتشدد، لكن الاستخدام المفرط للقوة لن يؤدى إلا إلى توسيع دائرة الغضب. حماية المؤسسات واجبة، غير أن ضمان حق التظاهر، وفتح تحقيقات مستقلة فى أى تجاوزات أمنية، ومراجعة المشاريع المثيرة للجدل، هى الطرق الكفيلة بتهدئة الشارع ومحاصرة الأزمة.
استعادة الاستقرار فى هذا التوقيت الحرج تستوجب مدّ جسور الحوار الحقيقى مع القوى الشبابية والنقابية، والتخلى عن منطق المكابرة السياسية. إن إصلاح المنظومة التعليمية، وربطها بمتطلبات سوق العمل، وتقديم ضمانات ملموسة لحماية الممتلكات العامة والمحميّات الطبيعية، تشكل مدخلًا لا غنى عنه لإعادة ترميم جدار الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات.
تكتسب هذه التطورات بُعدًا استراتيجيًا بالنظر إلى موقع ألبانيا الجيوسياسى، فهى دولة عضو فى حلف الناتو منذ عام 2009، وتسعى جاهدة لتسريع خطى انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وإن أى اضطراب داخلى طويل لن يكتفى بإضعاف دور تيرانا الإقليمى فى بيئة البلقان الحساسة، بل سيضع أداء الحكومة تحت مجهر التدقيق الأوروبى الصارم، لا سيما فى ملفات سيادة القانون واستقلال القضاء ومكافحة الفساد.
يبقى القول، لا يمكن التنبؤ بمستقبل حكومة راما من حجم التظاهرات وحده، بل من مدى قدرتها على الاستجابة الحقيقية لأسباب الاحتقان، ورأب الفجوة داخل معسكرها السياسى، وتقديم معالجات جادة لقضايا التعليم والعدالة الاجتماعية.
إن ألبانيا اليوم لا تواجه مجرد أزمة بقاء حكومة أو رحيلها، بل تخوض اختبارًا كليًا لقدرة الدولة على التوفيق بين طموحها الأوروبى الخارجى ومطالب مجتمعها بالشفافية والعدالة والمساءلة.

التعليقات