الإبداع أساس الحضارة، وتأسس طوال التاريخ على مجموعة من المعطيات، أو المحركات الواجب توافرها لكى يكتمل فى عمل مادى، أو ثقافى ملموس، ولعل المحرك الأول للإبداع يتمثل فى التحدى. فعندما تواجهنا العقبات تعمل آلة الفكر وتشتغل المخيلة لكى نذلل هذه العقبات ونتجاوزها، ليس هذا وحسب، ولكن هناك بعض البشر ممن تميزوا بالموهبة، يطلق عليهم أحيانا عباقرة، استطاعوا ليس تجاوز العقبات وحسب، ولكنهم حولوا المحن إلى منح والعوائق إلى فرص، وأضافوا الكثير لهم ولغيرهم، وتأمّل تاريخ الحضارة، منذ البدايات وحتى الآن، يؤكد أن التحدى كان محركها الأول، وهناك نظرية كاملة فى التاريخ تضع التحدى قانونا أول لفكرة تطور الإنسان نفسها.
المحرك الثانى الذى يتأسس عليه الإبداع هو الإحساس بالفردية، فالمبدع شخص لم يتعود على العالم، تستوقفه المفارقات التى تحتاج إلى رصد وعلاج، ولذلك يخصص حياته لتتبع الأزمات والمشكلات، ووضع تصور لحلول ناجعة لها، وهذا المعطى يظهر بوضوح فى الفنون والآداب، فالروائى، أو الشاعر، أو المسرحى بمعنى ما، لا يستطيع التكيف مع المجتمع من حوله، وبعضهم يتميز بدرجة أعلى من الحساسية فيشعر بفصام نفسى مع العالم، أو الوجود، من هنا رأينا الأعمال الكبرى: أدبية وفنية وفكرية، استطاع المبدع بإحساسه بفرديته تحويل عدم التكيف الشخصى إلى قضية اجتماعية، أو إنسانية عامة، وتصويرها فى شكل جمالى استمتع به البشر، وتعلموا منه.
تعتبر المعاناة المحرك الثالث للإبداع، والمعاناة هنا لا نقصد بها الفقر والبؤس بالدرجة الأولى، ولكن لا بدّ للمبدع أن يشعر بقدر ما من المعاناة تجاه أى شىء، هنا يحمله طموحه وخياله إلى أرض تخلو من تلك المعاناة، إن الترف، المفرط أو الدائم، لا ينتج إبداعا، بل ربما يكون عدو الحضارة الأول، ومؤشرا على انحطاطها كما يذهب ابن خلدون.
فى قصة الإبداع لا بدّ من محرك رابع، أو فكرة كبرى، تكون بمثابة الخلفية التى ينطلق منها المبدعون، فمجتمع يخلو من أى فكرة حاكمة هو مجتمع يعجز بالفعل عن الإبداع، فلا يمكن تأليف كتاب عن العدالة الاجتماعية فى مجتمع لا يفكر أساسا فى هذه المسألة، والأمر ينطبق على مختلف المسائل الأخرى.
وإذا نظرنا إلى مجتمع نهاية التاريخ الذى تعيشه البشرية الآن، والمدعم بالنيوليبرالية السياسية والرأسمالية الاقتصادية، والانتصار الحاسم للتكنولوجيا، فلن نعثر على أى من دوافع الإبداع - الحضارة السابقة، فهذا المجتمع مَحَق الفردية، وأصبحت الشعبوية تحكم الفضاء الإلكترونى العام، وفارق شاسع بين الفردية وصعود الجماهير الغفيرة، أما الذكاء الاصطناعى فيبشرنا القائمون عليه بأن جميع العقبات التى تعترض طريقنا سوف تُمحى، وتولت الرأسمالية، بعولمتها وقيمها، منحنا الرفاهية بحيث اختفت المعاناة ظاهريا، ومنذ عقود نجح صعود معسكر واحد إلى صدارة العالم فى القضاء على مفهوم الفكرة الأخرى، أو الفكرة الكبرى، بمعنى أن هناك الآن أزمة طاحنة فى الإبداع نفسه، وهنا لا مفر من السؤال هل تقع الحضارة، فكرا وممارسة، أسيرة للأزمة نفسها؟
يحيى زكى
جريدة الخليج الإماراتية